ترقيه جوزي
* “نوران!”
وقفت.
* “هو أنتِ بجد كنتِ بتعملي كل ده طوال الوقت ده؟”
* “أيوة.”
* “الست سنين كلهم؟”
* “أيوة.”
بصت للأرض وحطت إيدها على وشها، وسألت السؤال اللي أعتقد كان بياكل في دماغها من ليلتها:
* “ليه سيبتينا نفتكر إنك ولا حاجة؟!”
فكرت في الإجابة كويس وقُلتلها:
* “أنا ما سيبتكوش تتخيلوا كده.. أنتم اللي قررتوا إن طالما مش شايفين أنا بعمل إيه، يبقى اللي بعمله مالوش قيمة ولا وجود!”
ومشيت وسبتها.
قاعة الاجتماعات كانت في الدور الثالث.
العميد دانيال كان جوة مع 11 ظابط وعدد من المسؤولين المدنيين.
أول ما دخلت القاعة، الكل وقف انتباه..
مش لأنني كنت مراته هشام..
ولا لأن حد شفِق عليّا..
ولا لأن جوزي اتقبض عليه..
وقفوا احتراماً للمنصب والرتبة اللي أنا تعبت وتعبت عشان أستحقها!
العميد دانيال أومأ لي براسه ناحية رأس الطاولة وقال:
* “سيادة المقدم نوران الألفي.. إحنا جاهزين لما حضرتك تبدأي.”
حطيت الملف بتاعي على الترابيزة.
ولثانية واحدة، افتكرت الكارت الصغير بتاع اسمي من حفلة الترقية:
“مدام نوران عبدالرحمن”..
ثلاث كلمات مكتوبين على الوش.. وثلاث كلمات على الظهر: “تأكيد وقف الترقية”.
الكارت ده لسه معايا لحد النهاردة.. مش كـ درع نصر، ولا كـ انتقام.. بس كـ تفكير ودليل!
تذكير بقد إيه الناس بتخلط بسهولة بين السكوت والضعف..
وقد إيه بيتلخبطوا بين التواضع وبين إن الشخص مالوش قيمة..
وقد إيه خطير إنك تعتقد إن فيه بني آدم مالوش سلطة أو قوة لمجرد إنه ما بيطلعش يتباهى بيها قدام الناس!
بصيت حوليا في قاعة الاجتماعات وقُلت:
* “يلا نبدأ.”
محدش في القاعة كان يعرف إني من ست شهور بس، كنت قاعدة ساكتة وبسمع حماتي بتقول عليّا عاطلة وعايشة على قفا ابنها.. ومحدش كان محتاج يعرف.
أنا أخيراً فهمت حاجة هشام عمره ما فهمها:
الهيبة الحقيقية مش محتاجة جمهور يصفق لها..
والخدمة الوطنية الحقيقية مش محتاجة شو واستعراض..
والحقيقة عمرها ما بتقل قوتها لمجرد إن فيه حد قعد سنين يتظاهر إنها مش موجودة!
الليلة دي في نادي الضباط كان المفروض تكون حفلة ترقية هشام.. بس بدلاً من ده، بقت الليلة اللي الصورة المزيفة اللي بناها عن جوازنا انهارت فيها بالكامل.