17شهر

. وشها كان رايق، فيه هدوء وسلام عمره ما شافه في عينيها طول السنة الأخيرة اللي قضوا فيها سوا. كانت ماسكة الفرشة وبترسم في كراسة صغيرة، وبتشرب قهوتها بسكون.”كريم” مشي ناحيتها بخطوات بطيئة، كأنه خايف يلمس الهواء فـ يكتشف إنها مجرد سراب أو حلم.

وقف قدام الترابيزة. ظلّه نزل على الكراسة بتاعتها، فـ “شيرين” رفعت رأسها بالراحة. أول ما عينيها جات في عينيه.. ما صرختش، وما اتخضتش، وما أبدتش أي غضب. كانت نظرتا ماليها هدوء يخوف.. هدوء الشخص اللي اتعافى من الوجع لحد ما بقى الأذى ملوش أثر جواه.

«كريم..» قالتها بصوت واطي وبارد.”كريم” ركبه خانته، وما قدرش يقف.. قعد على الكرسي الفاضي قصادها، وإيديه بتترعش على الترابيزة:«شيرين.. أنا دورت عليكِ في كل شبر.. أنا آسف.. أنا آسف يا شيرين والله العظيم أنا اتدمرت من غيرك.

»”شيرين” قفلت كراسة الرسم بالراحة، وبصتله:«آسف على إيه يا كريم؟»«على كل حاجة.. على غيابي، على العمى اللي كنت فيه، على الليلة دي.. على الابن اللي ضاع مني وأنا مش جنبِك.. على كل دقيقة سبتك فيها لوحدِك تعاني.

»دمعة نزلت من عين “كريم” وسالت على خده، وطلع السلسلة من تحت قميصه، فك منها الدبلة الفضة وحطها على الترابيزة بينهُم:«أنا سبت الشغل، وسبت الجري ورا الفلوس.. أنا عرفت إن كل ده ملوش أي لازمة لو انتِ مش معايا. ارجعيلي يا شيرين..

نبدأ من الصفر، في أي مكان انتِ تختاريه، الشقة القديمة، أو أي حتة.. بس ارجعي.»”شيرين” بصت للدبلة الفضة اللي على الترابيزة. سكتت لثواني، وبعدين ابتسمت ابتسامة هادية جداً.. ابتسامة مافيهاش أي كره، بس فيها نهاية حاسمة.«عارف يا كريم..

» قالتها وهي بتبص في عينيه بثبات:«أنا قضيت شهور طويلة فاكرة إنك قاسي.. بس لما مشيت وقعدت مع نفسي، اكتشفت إنك ماكنتش قاسي.. انت بس كنت مشغول عني، وأنا كنت مشغولة بيك. أنا كنت معلقة حياتي ووجودي كله عليك، ولما انت غبت.

. أنا اتعدمت.»سحبت أنفاسها بالراحة وكملت:«أنا في الست شهور دول ما كرهتكش.. أنا بس اتعلمت إزاي أحب نفسي من غيرك. اتعلمت أقف على رجلي، وأرسم، وأتنفس، وأعيش من غير ما أستنى منك دقيقة واحدة تعوضني بيها. أنا ما بقتش زعلانة منك يا كريم.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *