هند حكايات توتا
— لا.. أنا بس أوقفت تمويل حد اعترف بلسانه إنه كان بيضحك في وشي عشان مصلحته.
إبراهيم قفل الأجندة:
— والتغيير ده هيطبق علينا إحنا كمان يا هند. لو عايزة شنط أو لبس أو خروجات، ده هيكون من ميزانية بيتنا وبس. أمي مش هتدفع جنيه واحد في المظاهر دي تاني.
— ولو الميزانية ما كفتش؟!
— ساعتها تقعدي وترتبي أولوياتك وتعرفي إيه المهم وإيه اللي بلاش منه.
هند نفخت ونفذت بقلة صبر:
— بتتكلموا وكأن المية جنيه دي تراب! والله لو حد عرض عليا مية جنيه عشان أعمل حاجة بسيطة وسهلة، كنت هعملها من غير كل الدراما والحرقة دي!
الحاجة فوزية بصت لها بتركيز:
— بجد يا هند؟
— أيوة طبعاً! المية جنيه هي مية جنيه.
— تمام.. افتكري الكلمة دي كويس.
تاني يوم، الحاجة فوزية سافرت العباسية عشان تقعد مع أمها وتراعيها. وسابت أمور بيتها واضحة: هي مهتمة بأحفادها وبتسأل عليهم، بس مش هتدفع مصاريف دلع وهيافة لهند، ولا هتروح تجري تحل كل مشكلة صغيرة في بيتهم.
الأسبوع الأولاني كان دمار شامل على هند! اضطرت هي اللي تنظم توصيل العيال وتستناهم عند المدرسة، تطبخ وتجهز الأكل، تستنى السباك، وتلغي ميعاد الروتين والبديكير بتاعها لأن إبراهيم ما قدرش يسيب شغله.
وجي يوم السبت..
الحاجة فوزية جِت الجيزة لعدة ساعات، وخبطت على باب هند ومعاها كرتونة كبيرة مليانة ورق وفواتير قديمة.
— أنا محتاجة أرتب الفواتير القديمة دي وأفصل اللي هيروح الأرشيف. أنتِ قلتِ إنك تعملي حاجة بسيطة بمية جنيه..
هند بصت لها بذهول ورعب:
— أنتِ بتتكلمي بجد؟!
— بجد جداً.. شغلانة مضمونة، وأنتِ قاعدة مريحة ومش هتاخد منك ساعتين. لو مش عايزة، براحتك خالص.
هند وافقت لأنها بقالها أيام بتتحايل على إبراهيم عشان ينزل لها فلوس تشتري بلوزة جديدة.
بعد ساعتين، كان ظهرها مشدود ومشتعل من الوجع وصبرها نفد تماماً:
— ده شغل كتير وتهد حيل قوي على مية جنيه!
الحاجة فوزية رفعت حاجبها:
— غريبة! من أسبوع بس كنتِ عايزة مريم تشيل بني آدم وتراعيه طول اليوم بنفس المية جنيه دي!
أنا عرفت التفاصيل دي لأن هند بعتت لي تتشكى وتتحسبن.. طبعاً ما رديتش عليها.
المشكلة إن هند هي اللي دبست نفسها لما كررت قدام إبراهيم إن المية جنيه كفاية لـ “حاجة بسيطة”. ولأنها خلاص ما بقاش يجي لها فلوس زيادة من حماتها، بدأت تضطر تقبل خدمات صغيرة بفلوس: ترتب كراتين عند جارة كبيرة في السن، ترافق واحدة ثانية وهي نازلة سوق العبور أو سوق الجيزة، أو تساعد في فرز هدوم للجمعيات الخيرية. حاجات مش خطيرة ولا فيها استغلال، بس كانت كفيلة تخليها تفهم وتدوق وتعرف يعني إيه تبيع وقت غيرك ورخيصه وكأنه مالوش قيمة.