هند حكايات توتا

— ميتين جنيه!

— قلت لأ.

— يا بنتي أنتِ حتى مش عارفة المطلوب منك إيه بالظبط!

— ولا أنتِ عارفة!

​الكلمة نزل عليها زي المية الساقعة، سكتت وفتحت بقها:

— تقصدي إيه؟

— أحييكي.. تقصدي إنك لا تعرفي حماتك تعبانة بجد ولا لأ، ولا تعرفي هي هتعيش معاكي ولا لأ، ولا عارفة محتاجة إيه أصلًا! أنتِ بس سمعتي كلمة “مراعية” جالك هلع عشان خفتِ حنفية الهدايا والفلوس تقفل!

​هند لأول مرة صوتها يوطى ووشها يجيب ألوان:

— أنا.. أنا مش عايزاها تشوفني نسيبي وحش ولا نمرة تانية..

— يبقى بلاش تتصرفي باللؤم ده من وراها.

​وشها اتشنج وعينيها احمرت من الغيظ:

— ماشي يا مريم.. والله لتندمي إنك دخلتي نفسك معايا!

​ومشت بتدبدب في السلم.

​أنا كان المفروض أكتفي بكدة وأكبر دماغي. بس تاني يوم الصبح، وأنا نازلة أشتري طلبات من الصيدلية اللي على الشارع الرئيسي، لمحت الحاجة فوزية طالعة من الصيدلية بنفسها. ماشية مفرودة، شايلة شنطة علاجات صغيرة، ولا باين عليها تعب ولا محتاجة حد يسندها حتى!

​ترددت ثواني، وبعدين قربت منها وسلمت عليها بحرارة.

— إزيك يا حاجّة فوزية؟ معلش سامحيني.. هو أنا ممكن أسألك سؤال حساس شوية؟

بصلتي بابتسامتها الدافية وحنيتها المعروفة:

— أهلي وعينايا يا بنتي، اسألي براحتك.

— هو.. هو حضرتك محتاجة حد يقعد معاكي أو يراعيكي الفترة الجاية؟

​ابتسامة الحاجة فوزية اختفت فجأة، وحواجبها اترفعوا باستغراب شديد:

— أنا؟! مين قال الكلام ده؟!

​وفي اللحظة دي بالظبط، عرفت إن هند بنت قصتها دي كلها على كذبة وافتكاسة من دماغها.. مجرد وهم اختلقته عشان هي أصلًا ما تكفلتش تسأل أو تفهم الحقيقة!

​الحاجة فوزية عزمتني أقعد معاها على بنك قدام الصيدلية على الشارع الرئيسي. لما حكيت لها كذا بـكذا، ومن غير أي زواوق، إن هند بقالها أيام بتضغط عليا عشان “أراعيها” مقابل مية جنيه في اليوم، اتسمرت مكانها وما تنقِلش من الذهول، لدرجة إني افتكرت إنها مش مصدقاني!

​— يا مريم يا بنتي، اللي محتاجة رعاية ومصممة عليها هي أمي أنا!

— أم حضرتك؟!

— عندها ستة وثمانين سنة، وقعت من كام يوم، وصحيح هي بتتحسن، بس أنا مش عايزاها تقعد لوحدها في الفترة دي. أنا هسافر أقعد معاها شوية في العباسية عند شقتها هناك. ده كل اللي كنت عايزة أفهمه لهند ولابني إبراهيم.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *