يوسف العطار
شهر ورى شهر، الأرقام كانت بتكبر أسرع مما كنت أتخيل. عشت بحرص، عافرت في شغلي لحد ما أخدت ترقية محترمة في شركة التيك، وكنت بلاحظ ثروتي بتتضاعف. بعد سنتين بالتمام والكمال من اليوم اللي خرجت فيه من سفيلتهم في المعادي، كنت واقفة في الجاردن بتاعة فيلا دورين تحفة في الشيخ زايد، بفيو يجنن وجنينة متظبطة، وأنا ماسكة في إيدي مفاتيح بيتي الملك… مدفوع تمنه كاش بالكامل من غير مليم قسط!
حسيت بنشوة نصر ومشاعري كانت طايرة وأنا بفتح الباب الفولاذي وبدخل صالة بيتي اللي بقى بتاعي بجد ولأول مرة. بس أول ما حطيت الكراتين على الأرض، سمعت خبط مجنون ومستمر بيترج على الباب. فتحت الباب، ولقيت أمي واقفة قصادي، شكلها مبهدل ومربوكة وشكلها كبر وسنها بان عليها أكتر بكثير من الأول.
توقعاتي للي هيحصل بعد كده:
غالباً أمي عرفت عن طريق الصدفة أو حد بلغها إنك اشتريتي فيلا في مكان راقي، وجاية بعد ما فريدة وأخوكي لبسوهم في ديون جديدة ورطتهم، وجاية دلوقتي تلعب على الوتر العاطفي وتطلب فلوس أو مكان يقعدوا فيه بحجة “إحنا أهلك”!
وقفنا عند لحظة ما فتحت الباب ولقيت أمي واقفة وشها أصفر ومبهدلة.
أول ما عيني جت في عينها، سكتت لحظة، وبعدين دموعها نزلت بسرعة وتمثيلية المظلومة اشتغلت في ثانية. “مريم! يا حبيبتي.. أخيراً لقيتك!”، قالتها وهي بتحاول تاخدني في الحضن، بس أنا رجعت خطوة لورا ووقفت في نص الباب بثبات.
”أنتي عرفتي مكاني إزاي؟ وعايزة إيه يا مدام سعاد؟”، قلتها بنبرة أبرد من التلج.
كلامي نزل عليها زي الصفعة، بس كملت وهي بتمسح دموعها بقلة حيلة: “مدام سعاد؟ أنا أمك يا مريم! بقالنا سنتين بنتدور عليكِ في كل حتة.. إحنا حياتنا اتدمرت من بعد ما سبتينا! أختك فريدة دخلت في مشاكل وقضايا بسبب شيكات العربية اللي مقدرتش تدفعها، وأخوكي زياد خسِر كل حاجة في مشروعه والديانة بيخبطوا على بابنا كل يوم. أبوكي جاله السكر من الهم، والبيت اللي كنا عايشين فيه بيتباع في المزاد الأسبوع الجاي!”
بصيت لها وأنا مستنية أساليب الابتزاز العاطفي القديمة تخليني أضعف، بس متحركش فيا أي ساكن. كملت أمي وهي بتبص على الصالة الواسعة والفيلا من جوة بعيون مليانة طمع: “ولما عرفت من واحد صاحب أبوكي شغال في الشهر العقاري إنك اشتريتي الفيلا دي في الشيخ زايد كاش.. قلت الحمد لله، ربنا مش بيضيع حد، أكيد مريم مش هتهون عليها عيلتها وترمينا في الشارع. إحنا هنلم شنطنا وننقل نعيش معاكي هنا يا بنتي، ونبدأ صفحة جديدة.. أنتي دمك من دمنا!”
ابتسمت ابتسامة خفيفة، هادية، بس مليانة وجع قديم اتعافيت منه.
”دمي من دمكم؟”، رديت بصوت واضح. “افتكرتي الدم دلوقتي؟ افتكرتيه لما بعتوني عشان 120 ألف جنيه عشان رفاهية أختي؟ افتكرتيه لما قلتولي إني ميتة بالنسبة لكم ورَميتوني في الشارع عشان رفضت أكون بنك بيصرف على طيشكم؟”
أمي وشها اتخطف، وكانت لسة هتتكلم، بس أنا قطعت كلامها بكل حسم: “البيت ده أنا اشتريته بعرقي وشقايا من غير ما أعتمد على أي حد فيكم. السريرة دي اللي اتفضت من سنتين كانت نهاية قصتي معاكم. أنتوا مش جايين هنا عشان بتحبوني، أنتوا جايين عشان الفلوس.. وعشان فاكرين إني لسة البنت الضعيفة اللي بتجري ورا رضاكم.”
مسكت يد الباب وبصيت لها لأخر مرة: “أنا مش هرميكم في الشارع، أنا هخلي المحامي بتاعي يبعتلكم مبلغ بسيط يمشيكوا بيه وتشوفوا مكان إيجار صغير، وده مش عشانكم.. ده عشان نفسي إني أكون أحسن منكم. بس رجل واحد فيكم مش هتعتب الفيلا دي، ولا ليكي أو لأي حد في العيلة وجود في حياتي بعد النهاردة.”
وقبل ما تنطق بكلمة واحدة، قفلت الباب في وشها بالهدوء اللي بييجي بعد أكبر عاصفة.
لفيت ضهري، بصيت لبيتي الجديد اللي الشمس كانت داخلة من شبابيكه المالكة، وحسيت ولأول مرة في حياتي بنفس طالع من أعماق قلبي.. نفس الحرية والسلام.