يوسف العطار
أول ما عيلتي حطتني قدام الأمر الواقع: يا إما أدفع فاتورة بي إم دبليو أختي اللي بـ 120 ألف جنيه، يا إما أسيب البيت وأمشي، قلبي اتكسر، بس بكل هدوء قلتلهم “يبقى أنا برة”، ومشيت في ساعتها… والخطوة دي كانت السبب إني أحوش وأشتري بيت أحلامي.
ترابيزة السفيرة كانت شبه ساحة حرب، والجو كان مكتوم يقطع النفس. أمي خبطت بإيدها جامد على الخشب المتلمع، فالشوك والمعالق اترجت بعنف على الأطباق الصيني. في نص الترابيزة كان فيه وصل مطبوع لتصليح فتيس عربية بي إم دبليو جديدة، إجمالي المبلغ كان 120 ألف جنيه بالتمام والكمال. الوصل ده كان بتاع أختي فريدة اللي عندها 22 سنة، واللي كانت قاعدة قدامي ودموعها مغرّقة وشها بتلعب دور الضحية المظلومة بإتقان.
”أنتي هتدفعي الفلوس دي يا مريم، وده آخر كلام عندي!”، أبويا قالها وصوته طالع بحدة وسلطوية مرعبة. “اختك محتاجة العربية عشان تدريب الشركة بتاعها، وأنتي قاعدة تقبضي مرتب محترم من شغلانة التيك المترطرة فلوس، وهي معهاش حاجة. ده واجبك ناحية عيلتك!”
”واجبي؟” رديت بنبرة هادية بشكل يرعب وأنا بصلهم بثبات. “فريدة طيرت مرتبها كله في سفريّة ومصايف في الساحل الأسبوع اللي فات بدل ما تدفع قسط عربيتها. ليه أنا اللي أشيل شيلتها وأنقذها من طيشها ومسئوليتها الفاشلة؟ دي تالت مرة تعملها السنة دي!”
أمي شهقت وحطت إيدها على رقبتها كأني عملت كبائر الذنوب. “أنتي إزاي تتجرأي تتكلمي معانا كده! بعد كل اللي ضحينا بيه عشانك؟ ده آخر إنذار ليكي يا مريم: يا تروسي الـ 120 ألف جنيه في حساب فريدة دلوقتي حالا، يا تلمي شنطتك وتطلعي برة الباب ده، وتعتبري نفسك ملوكيش عيلة من اللحظة دي. أنتي ميتة بالنسبة لنا!”
باقي العيلة اللي قاعدين على الترابيزة كتموا نفسهم، مستنيين إني أضعف، مستنيين إني أفصل، أعيط، وأستسلم لابتزازهم العاطفي زي ما عملت مية مرة قبل كده. كانوا فاكرين إني محبوسة ومفيش بإيدي حيلة. فاكرين إن احتياجي لحبهم المشروط أكبر من احترامي لنفسي.
بس بدل كل ده، فيه حالة سلام عميقة اتملكت مني. زقيت الكرسي لورا ببطء، وقفت، وبصيت في عين كل واحد فيهم بالواحدة.
”يبقى أنا برة”، قلتها بصوت واضح ونبرة مهزتش.