حماتي قالتلي
حس إن مفيش مفر، حس إنه لو رضي بكلام أمه، بيته هيتخرب للمرة التانية ومش هيشوف ضفر أميرة تاني، افتكر بهدلة الأسبوعين اللي فاتوا، وافتكر كلام الحاج عبد الرازق وكلام محمود في البلد.
رفع راسه، وبص لأمه بعين فيها حزم مكنش موجود زمان، وقال بصوت عالي لأول مرة في وشه أمه أمي! كفاية بقى لحد هنا! أميرة مغلطتش في حاجة، ده بيتها وله احترامه، وإنتوا داخلين تكسروا فرحتنا وتتأمروا عليها كأننا لسه في الشارع تحت! اللي يشرب حاجة هنا يشربها بأدب واحترام لصاحبة البيت، ولو مش عاجبكم طريقتها، يبقى الشاي والقهوة هعملهم أنا بإيدي، بس مراتي محدش هيوجهلها أمر ولا كلمة تهينها في بيتي!
الصمت نزل على الأوضة زي تلج نزل على نار والعة. نهى نزلت رجلها من على رجل وبصت لأخوها بذهول تام، مش مصدقة إن أحمد حبيب أمه اللي كان بيمشي بكلمتها بيقف في وشها عشان مراته. حماتي لسانها اتشل، عينيها وسعت من الصدمة، إيدها بدأت ترتعش بجد من القهر إنت… إنت بتقول لأمك كده يا أحمد؟! بتبعني عشانها؟!
أنا مابيعكيش يا أمي، إنتِ أمي وعلى راسي ورجلك فوق راسي أخدمك بروحي ودمي، بس في حدود، في بيتي هنا مراتي هي الملكة، ومحدش هيدوسلها على طرف تاني، اللي عملتوه زمان هو اللي وصلنا لهنا، وبدل ما تيجوا تباركوا وتصلحوا النفوس، جايين تولعوا الدنيا من جديد؟!
أنا كنت واقفة باصة للمشهد، حسيت برد الاعتبار الحقيقي، حسيت إن السنين اللي راحت والتعب اللي شيلته والظلم اللي عشته قدام صهد الفرن والشمس رجعلي كرامتي أضعاف مضاعفة. الراجل اللي كان زمان بيصدق كدبهم وبيزعق فيا عشان يرضيهم، بقى درع وسيف بيحميني وبيصد عني غلهم.
حماتي حست إن خلاص، السحر انقلب على الساحر، إن سيطرتها على ابنها انتهت للأبد، وإن الشجرة اللي كانت بتستظل بيها اتكسرت من جذورها بسبب طمعها وظلمها. مسكت شنطتها بإيد بتترعش، وبصت لبناتها وقالت بصوت مكسور ومخنوق قوموا… قوموا بينا من هنا، ملناش مطرح في البيت ده، بكره الزمن يلف بيك يا أحمد وتعرف إن مفيش حد بينفع غير الأم، وبكره مراتك توريك النجوم في عز الضهر!
خرجت حماتي بتجر رجليها، وبناتها وراها مطاطيين روسهم مكسوفين، نزلوا على السلم في صمت تام، مفيش ضحك الشيبسي ولا التريقة بتاعة زمان.
أحمد قفل الباب وراهم بهدوء، سند ضهره على الباب ورجع راسه لورا وتنهد تنهيدة كأن جبل انزاح من على صدره. بصلي بعيون مليانة ندم وصدق، قرب مني ومسك إيدي الاتنين وباسهم حقك عليا يا أميرة، ارتاحتي كده؟ عرفتي إنك عندي بالدنيا كلها؟
ابتسمت لأول مرة ابتسامة حقيقية، ابتسامة مسحت كل أثر للحزن والمرار، وهزيت راسي وقولت دلوقتي بس يا أحمد… بيتنا اتعمر بجد.
مرت السنين بعد اليوم ده، وحياتنا مشيت في هدوء واستقرار. خلفت ولدين زي القمر، ملوا عليا حياتي، وبقيت عايشة في بيتي معززة مكرمة، ملكة متوجة بكرامتي وأصلي. حماتي مرضت بعد فترة، ورقدت في سريرها بعد ما بناتها كل واحدة فيهم اتجوزت وسابتها لوحدها، وكانوا بيجوا يزوروها في المناسبات بس ويسبوها في مرضها وتعبها.
وفي يوم مرضها الشديد، نزلت معاها بأصلي، روحت زورتها في بيت العيلة القديم. دخلت الأوضة لقيتها نايمة هزيلة وضعيفة، أول ما شافتني عيونها دمعت بالندم، مسكت إيدي وقالتلي بصوت واطي ومبحوح سامحيني يا بنتي… بناتي اللي دلعتهم وظلمتك عشانهم رموني، وإنتِ اللي جيتي تطمني عليا.
بصيتلها بهدوء، حطيت إيدي على راسها وقولت مسامحاكي يا حماتي لوجه الله، عشان ربنا مابيرضاش بالظلم، وعشان علمني إن الحق بيرجع لأصحابه ولو بعد حين، وإن اللي يزرع شوك مبيحصدش غير جرح، واللي يزرع كرامة وصبر بيحصد عز وشرف.
خرجت من البيت القديم، بصيت للسطح وللشمس الحامية اللي كانت زمان بتحرق وشي، وابتسمت وأنا ماشية ماسكة إيد ولادي وجوزي جمبي ساندني. عرفت ساعتها إن الصبر على الظلم مبيكونش ضعف، لكن بيكون حكمة لحد ما تيجي اللحظة اللي تاخد فيها حقك بالقوة والأصول، وإن الست اللي تصون كرامتها ومتفرطش في حقها، بتجبر الدنيا كلها تحترمها غصب عنها.