ورده حكايات فاطمه علي
**الفصل الأول**
اللجنة ساكتة، صوت المراوح بس. الدكتور أدهم واقف في آخر المدرج، لابس قميص أسود ومشمر كمه، وملامحه اللي هي “مش عايز ولا غلطه”.
كل الطلبة بتحل في صمت ورعب.
إلا وردة.
في أول ديسك، قاعدة بتلف القلم وفاتحة ورقة الأسئلة كأنها بتحل لغز ميكي ومش فاهمه اي حاجة.
وردة بصوت واطي: “بسبس… يا مستر أدهم”
أدهم رفع عينه وبص عليها وهو بيردد بدهشة: “..مستر!..”
وردة اتكلمت تاني وهي بتشاور له: “يا مستر!”
أدهم قال لنفسه: “قالت مستر.. يعني انا سمعت صح”
اتحرك بخطوات هادية لحد عندها ووقف جنبها وقال من بين سنانه بصوت واطي عشان اللجنة متسمعش: “إيه مستر دي ؟ آنتي قاعده في حصة انجليزي مع سنة أولى ابتدائي ؟! انتي هنا في الجامعة”
وردة قالت بغيظ: “مش انت اللي قولتلي مش اقولك يا أدهم في الجامعة عشان انت هنا مستر. وان انت ابن عمي في البيت وبس”
أدهم بص حواليه شاف كل الطلبه مركزين في الامتحان وبيبصوا في ورقهم.. رد عليها بعصبيه:” اولا انا عمري ما قولتلك تقوليلي يا مستر.. عشان انا هنا دكتور.. اسمي دكتور أدهم. قوليها ورايا.”
وردة حطت القلم على دماغها وكأنها مركزة في كلامه وقالت:”دكتور واحنا في كلية آداب ازاي مش فاهمه. هو انت دخلت طب واحنا منعرفش”
أدهم بنفاذ صبر: “مش لازم تعرفي اي حاجة. قولي اللي انا بقولك عليه وبس.. انا هنا اسمي دكتور أدهم”
وردة: “حاضر يا دكتور مستر أدهم.”
أدهم تعب من النقاش معاها وقال: “قولي كنتي عايزة ايه؟”
وردة مدت له ورقة الأسئلة وقال: “هو يعني ايه (بكائية الخنساء)؟ هي كانت بتعيط ليه؟ انا معرفش مين اللي زعلها؟”
أدهم بص لها بصدمة وقال: “وردة، ده سؤال في الامتحان، المفروض انتي اللي تجاوبي.”
وردة ببراءة: “ما انا لو عارفة كنت جاوبت من الأول ؟ هو انا يعني غاوية فرهدة؟”
أدهم: “ابقي راجعي المنهج اللي شرحته 4 مرات.”
وردة ببراءة: “ما انا راجعت الستوري بتاعك، لقيتك منزل قهوة وكاتب (يوم طويل) فعرفت انك مشغول ومش هتشرح تاني.”
أدهم حس ان ضغطه بيعلى: “ورقة اجابتك فاضية ليه؟”
وردة: “بديها مساحة تتنفس، مخنوقة من المنهج.”
أدهم خد نفس عميق: “وردة، لو مبطلتيش لماضة هسحب ورقتك.”
وردة همست: “وتسقط بنت عمك؟ هتروح تقول لتيتة فاطمة ايه؟ الدكتور اللي مش عارف ينجح بنت عمه؟ شكلك هيبقى وحش.”
أدهم ابتسم ابتسامة سخرية: “طب حلي، وانا هوريكي شكلي هيبقى عامل ازاي وانا بديكي صفر.”
وسابها ومشي.
بعد 5 دقايق.
وردة تاني: “يا مستر دكتور أدهم!”
أدهم لف: “يا ربي.. نعم؟”
وردة رافعة القلم: “القلم بتاعي شطب، ممكن قلم؟”
أدهم طلع قلم من جيبه ورماه لها على الديسك.
وردة مسكت القلم وقالت: “الله، ده نفس القلم اللي ضاع مني الاسبوع اللي فات! انت لقيته؟”
أدهم: “لا، انا سارقه من أوضتك الصبح وانتي نايمة. حلي يا وردة.”
وردة بدأت تكتب أي كلام، وبعدين بصت له وهو واقف بعيد بيراقب اللجنة بجدية، فسرحت ثانية.
هو عصبي آه، بس لما بيشرح بيبقى شكله مختلف، ولما بيتخانق معاها عشان مصلحتها بيبقى شكله قمر…
قطع سرحانها صوته وهو معدي من جنبها: “بطلي تبصيلي وبصي في ورقتك، مش هغششك.”
وردة اتخضت وقالت: “هو انت مفكر اني ببصلك انت؟ انا ببص على الساعة اللي وراك على فكرة! وبفكر ياترى مرات عمي حبيبتي طبخت لنا ايه على الغدا؟ “
أدهم بص وراه، مفيش ساعة. الحيطه فاضية.. كتم ضحكته على جنانها.
رجع بصلها وقال: ” أكيد طبخت كحك مدور زي الصفر اللي هتاخديه في المادة بتاعي؟”
اللجنة كلها كتمت الضحك، ووردة وشها احمر بس بتضحك غصب عنها، وهو لف بسرعة عشان ميبينش انه هو كمان كان هيضحك.
وده كان أول امتحان وردة تخرج منه وهي مش زعلانة انها محلتش، هي زعلانة ان اللجنة خلصت.
اللجنة خلصت والطلبة كلها طلعت من المدرج زحمة ودوشة وصريخ كأنهم كانوا محبوسين: “الامتحان كان زفت” “الدكتور ده مفتري” ..
ووردة واقفة في نص الشلة بتاعتها، شنطتها مفتوحة والقلم اللي سرقته من أدهم قصدي اللي لقيته معاه ماسكاه في ايدها وبتهوي بيه.
صاحبتها مريم بتندب: “انا هسقط يا وردة، سؤال بكائية الخنساء ده عرفتي تحليه منين؟”
وردة وهي مش مركزة معاها وعنيها بتدور في الطرقة: “من المنهج يا مريم.. من المنهج اللي الدكتور شرحه 4 مرات”
مريم بصتلها بصدمة: “انتي بتتكلمي زيه ليه كده؟”
وردة اتعدلت بسرعة: “لا يا شيخة.. هو انا هتكلم زيه ليه؟ ده انا حتى مش طايقاه”
لسه هتكمل كلام لقت عينيها لقطته من بعيد، أدهم خارج من المدرج وماسك ورق اللجنة في ايده، القميص الاسود لسه متشمر وملامحه راجعة لوضع الطوارئ بتاعه، ماشي بخطوات سريعة ناحية مكتبه.
وردة قلبها كان بيدق وفجأة وشها نور من غير ما تحس وقالت لا اراديا: “اهو.. اهو ماشي هناك اهو”
مريم بصت: “هو مين؟”
وردة شاورت بسرعة: “الدكتور.. الدكتور اللي ادانا الامتحان الزفت.. قصدي..”
وفجأة وقفت الكلمة في زورها.
من آخر الطرقة ظهرت واحدة ستايل اوي، لابسة بلوزة بيضا وجاكيت قصير وجيبة وكعب عالي بيطق طق في الأرض، شعرها معمول ليس وريحتها واصلة لآخر الجامعة.
الدكتورة نسرين، بنت عميد الكلية، ودكتورة في نفس القسم.
نسرين شافت أدهم وابتسمت ابتسامة كلها سعادة وقربت منه بخطوات فيها دلع وقالت بصوت مايع: “دكتور أدهم.. يااه اخيرا لقيتك”
أدهم وقف واستغرب اول ما شافها.. و رد بمنتهى الرسمية: “أهلا يا دكتورة نسرين.. خير؟”
نسرين قربت خطوة كمان ولزقت تقريبا فيه وهي بتعدل طرف جاكيتها وقالت بدلع: “كنت بدور عليك من بدري.. بابا كان عايزك في مكتبه.. بس انا قولتله لا انا اللي هروح اقول لدكتور أدهم بنفسي”
وردة اللي واقفة بعيد عينيها برقت وبوقها اتفتح نص فتحة، مسكت دراع مريم فجأة.
وردة من بين سنانها: “شايفة اللي انا شايفاه؟”
مريم: “ايه ده.. دي الدكتورة نسرين! دي بتحوم حواليه من اول الترم”
نسرين لسه واقفة قدام أدهم وبتلعب في شعرها: “وبعدين بقى يا دكتور.. انت على طول مشغول كده؟ ولا مشغول عني انا بس؟”
أدهم رجع خطوة لورا تلقائيا وحط ايده في جيبه بتوتر: “لا خالص.. بس كنت في لجنة.. امتحان سنة اولى”
نسرين ضحكت ضحكة مايصة وقالت: “سنة اولى دول صعبين اوي.. ربنا يكون في عونك.. انت محتاج حد يروق عليك بعد تعب اللجان ده.. ايه رأيك اعزمك على قهوة في الكافيه اللي تحت؟”
وردة من بعيد الدم غلي في وشها، حست ان حد دلق عليها جردل نار، قبضت ايدها على القلم جامد لحد ما عقلها هتتكسر.
وردة كلمت نفسها وهي هتموت: “قهوة؟ قهوة ايه يا ام قهوة انتي.. ده لسه شارب قهوة ومنزلها ستوري وكاتب يوم طويل.. جاية انتي تروقي عليه؟”
مريم بصت لوردة وضحكت: “مالك يا وردة؟ وشك احمر كده ليه؟”
وردة اتنفضت: “انا؟ لا انا عادي.. الحر بس.. الجو حر موت”
مريم بغمزة: “حر ولا غيرانة؟”
وردة شهقت: “اغير؟ اغير من مين؟ من دي؟ هو انا اعرفها اصلا؟ وبعدين اغير على مين؟ على الدكتور أدهم؟ ده ابن عمي! ده زي اخويا!”
مريم: “اخوكي اللي كنتي سرحانة فيه في اللجنة من شوية؟”
وردة ضربتها في كتفها: “اخرسي بقى”
في نفس اللحظة أدهم كان بيحاول يخلع من نسرين بذوق، بص حواليه كأنه بيدور على مخرج، فعينه جت في عين وردة اللي واقفة بتبص عليه ومولعة.
اول ما شافها اتسمر ثانية، وبعدين فهم النظرة، دي نظرة الغيرة اللي هو حافظها من وهي عندها 10 سنين لما كان بيجيب شيكولاتة لبنت خالتهم وهي تقلب بوزها.
أدهم بص لنسرين تاني ببرود وقال: “معلش يا دكتورة.. مش هينفع.. عندي شغل في المكتب.. وورق امتحان لازم يتصحح النهاردة.. خصوصا ورق ناس هتجيب صفر مدور”
وقالها وهو باصص لوردة قاصد.
نسرين اتصدمت من الرد الناشف وقالت بدلع مصطنع: “خلاص.. براحتك.. هبقى اعدي عليك في المكتب كمان شوية”
أدهم هز راسه ومشي بسرعة ناحية مكتبه، واول ما عدى من جنب وردة وشلتها مقالش ولا كلمة، بس وهو معدي خبط كتفها خبطة خفيفة وهمس من غير ما حد يسمع غيرها: “بطلي تبصيلي وتسرحي فيا كل شويه كدا.. وبطلي عبط.. روحي على البيت”
وسابها ومشي.
وردة وقفت مكانها متنحة، قلبها بيدق بسرعة من كلمته، متغاظة ومبسوطة ومكسوفة في نفس الوقت.
مريم شدتها: “يلا يا وردة هنتأخر”
وردة لسه عنيها على مكتب أدهم اللي دخلته نسرين وراه رغم انه قالها مش فاضي، وجزت على سنانها وقالت: “لا.. روحوا انتوا.. انا نسيت حاجة مهمة في مكتب الدكتور.. لازم اروح اجيبها حالا”
ومسكت شنطتها وطلعت تجري ناحية مكتب أدهم قبل ما نسرين تلحق تاخد القهوة معاه.
مكتب أدهم كان بابه موارب، صوت ضحكة نسرين المايصة طالع منه وهي قاعدة قصاده وحاطة رجل على رجل وبتتكلم.
وردة من بره سامعة الضحكة ودمها بيغلي، من غير ما تفكر ولا تخبط راحت زاقة الباب وداخلة مرة واحدة.
الباب اتفتح بعنف ووردة داخلة بتنهج وشنطتها بتخبط في جنبها.
نسرين اتخضت وبصت لها بقرف من فوق لتحت وقالت بزعيق وصوت عالي: “ايه ده! انتي ازاي تدخلي كده من غير اذن! انتي مش شايفة ان في ناس قاعدة! اطلعي بره خبطي الاول!”
وردة اتصدمت من الزعيق، وشها احمر وحست بالإحراج، وقفت مكانها وبلعت ريقها وسكتت ثانية وهي بتبص في الأرض ومش عارفة ترد.
أدهم اول ما شاف وردة داخلة ووشها مقلوب قام وقف مرة واحدة من على كرسيه بلهفة.
أدهم بص لنسرين وقال بحدة ونبرة حماية: “دكتورة نسرين.. مينفعش كده.. وردة تبقى بنت عمي”
نسرين اول ما سمعت كلمة بنت عمي عينيها وسعت وغيرت وشها 180 درجة، وقامت وقفت هي كمان وعدلت هدومها وابتسمت ابتسامة كلها حنية مصطنعة.
نسرين قربت من وردة وقالت برقة مصطنعة: “يا حبيبتي.. انا اسفة والله.. مكنتش اعرف انك بنت عم دكتور أدهم.. انا افتكرتك طالبة جاية تسأل على حاجة.. متزعليش مني يا قمر”
وردة لسه متضايقة وبتحاول متعيطش من الإحراج، بصت لنسرين بنظرة كلها غيظ مكتوم وسكتت.
أدهم بص لوردة وعينه عليها بقلق وقال بصوت اوطى: “كنتي عايزة ايه يا وردة؟”
وردة رفعت عينها لأدهم واتكلمت بصوت واطي ومتوتر: “كنت جاية اسألك.. هو انت مروح القصر دلوقتي؟ عشان لو مروح.. اروح معاك”
قبل ما أدهم حتى يفتح بوقه ويرد على وردة، نسرين سبقته وردت هي بسرعة وبصوت كله انتصار.
نسرين بصت لوردة وابتسمت ابتسامة صفرا وقالت: “لا يا قمر.. دكتور أدهم عنده ميعاد مهم مع العميد دلوقتي.. بابا مستنيه.. مش هيعرف يروح معاكي”
وردة سمعت الجملة وحست كأن حد ضربها على وشها، بصت لنسرين بضيق مكتوم وعينيها كلها غل، وبعدين رفعت عينها بصت لأدهم.
كانت مستنية منه كلمة، يقولها لا انا جاي معاكي، يقولها استنيني خمس دقايق، اي حاجة.
بس أدهم ساكت وبيبص لها وساكت.
وردة عينيها لمعت بزعل وكسرة، جزت على شفتها عشان متعيطش، ولفت وشها مرة واحدة ومشيت.
الباب اترزع وراها وهي خارجة بتجري في الطرقة وشنطتها بتخبط في رجلها.
أدهم فضل واقف مكانه متسمر، رجله لوحدها كانت هتطلع تجري وراها، ايده اتحركت لا اراديا عايز ينده عليها.
أدهم خد خطوة لقدام وكان عايز يقولها : “وردة.. استني”
بس مسك نفسه في آخر لحظة، قبض ايده جامد وحارب مشاعره ورجع قعد مكانه تاني على الكرسي بعنف.
نسرين لسه قاعدة قدامه ومش فاهمة حاجة وبتتكلم: “مالها دي.. حساسه اوي..”
أدهم مكنش سامعها اصلا، كان سرحان في وردة، في وشها المكسور وهي بتبص له، في غيرتها اللي باينة زي الشمس وهي فاكرة انها مخبية.
أدهم كلم نفسه وهو بيبص على الباب الفاضي: “هتفضلي مجنونة كده لحد امتى يا وردة.. وانا هفضل مستحمل جنانك ده لحد امتى”
—
بعد ساعتين.
قصر عيلة الرشيدي كان هادي، الكل في اوضه، وأدهم لسه داخل من بوابة القصر، لابس نفس القميص الاسود وشكله مرهق وتعبان وعايز يرتاح ويدخل اوضته يرمي نفسه على السرير.
اول ما طلع على السلم وقرب من اوضته، لقى وردة واقفة مستنياه قدام الباب.
كانت لسه بنفس لبس الجامعة، حاضنة كتاب في ايدها وواقفة مربعة ايديها وملامحها كلها زعل وغيرة.
أدهم وقف اول ما شافها واتنهد بتعب: “وردة.. انتي واقفة كده ليه؟”
وردة بصت له مباشرة في عينه من غير لف ولا دوران، وعينيها فيها دموع محبوسة وسألته بصوت مخنوق: “انت بتحب دكتورة نسرين؟”.. الكاتبة ملك إبراهيم… يتبع في الجزء الثاني
أدهم وقف اول ما شافها واتنهد بتعب: “وردة.. انتي واقفة كده ليه؟”
وردة بصت له مباشرة في عينه من غير لف ولا دوران، وعينيها فيها دموع محبوسة وسألته بصوت مخنوق: “انت بتحب دكتورة نسرين؟”
أدهم وقف مكانه واتسمر، عينه في عين وردة. بيفكر في الرد وعينه متعلقة بيها: “احب مين.. انتي اتجننتي؟”
وقبل ما الكلمة تطلع منه، اتقطعت اللحظة كلها على صوت كعب بيقرب من وراهم.
والدة وردة، الست سناء، ست شيك وجميلة وطول الوقت شايلة هم بنتها، قربت منهم وهي شايلة صينية فيها كوبايتين عصير.
سناء بصت لهم باستغراب وقالت: “في ايه؟ واقفين كده ليه قدام الباب؟ بتتخانقوا تاني؟”
أدهم بسرعة اتعدل وبص لوردة اللي وشها اتوتر اول ما شافت مامتها.
وردة حاولت بسرعة تخفي دموعها اللي كانت هتنزل، وطت راسها وبصت لمامتها وابتسمت بالعافية.
سناء قربت اكتر ولاحظت ان عين وردة حمرا وحزينة، فحطت الصينية على جنب وبصت لأدهم بقلق.
سناء سألت أدهم: “مالها وردة يا أدهم؟ زعلانة ليه كده؟ حد مزعلها؟”
أدهم بص لوردة نظرة طويلة، عارف انها مقموصة بسبب نسرين بس مش هيقدر يقول كده، فاخترع اي حجة.
أدهم بص لمرات عمه وقال بمنتهى البرود: “الهانم معرفتش تحل في امتحان النهاردة”
وردة رفعت عينها وبصت لأدهم بصدمة وغضب كأنها بتقوله هتفضحني؟
سناء ضربت على صدرها وقالت لوردة: “يا لهوي.. تاني يا وردة؟ انتي عارفة يا وردة لو منجحتيش السنة دي.. جدك مش هيبعتك الجامعة تاني وهيجوزك اول عريس يجيلك”
أدهم بص لمرات عمه بصدمة وعينه وسعت: “ايه! يجوزها!”
سناء هزت راسها وقالت بجدية: “ايوه يا ابني.. ابوها الله يرحمه كان مدلعها وجدك سايبها على راحتها.. بس المرة دي حالف لو سقطت ليجوزها”
وردة اول ما سمعت الكلمة حست ان الدنيا اسودت، دبت برجليها في الأرض بغيظ زي العيال الصغيرة.
وردة قالت بعياط مكتوم: “اوووف بقى.. كل شوية جواز جواز”
ولفت ومشيت بسرعة ورزعت باب اوضتها وراها ودخلت.
سناء بصت على باب اوضتها وضحكت وابتسمت لأدهم بحنية وقالت: “معلش يا أدهم.. استحملها يا حبيبي.. انت عارف وردة متدلعة شوية من بعد موت عمك الله يرحمه.. ملهاش غيرنا”
أدهم فضل واقف وباصص على باب اوضتها المقفول وقلبه بيدق، وهز راسه بهدوء وقال: “عارف يا مرات عمي.. عارف. عن اذنك هدخل ارتاح في أوضتي شويه”
وسابها ودخل اوضته وقفل الباب وراه.
في أوضة وردة.
الاوضة كلها بينك وفوضى، هدوم مرمية على الكرسي وكتب مفتوحة على الأرض، ووردة قاعدة على طرف السرير بتهز رجليها بغيظ وبتكلم نفسها بصوت عالي.
وردة قالت لنفسها وهي بتجز على سنانها: “هو اكيد بيحب نسرين ومش عايز يقول.. كل كلامهم ونظراتهم لبعض بتقول كده.. قهوة ايه وميعاد مع العميد ايه.. ما يروح يحبها هو حر انا مالي”
قامت وقفت مرة واحدة وراحت ناحية البلكونة وبصت على الجنينة بتاعة القصر اللي كلها نور وقالت وهي بتحاول تقنع نفسها: “هو انا زعلانة ليه؟ وليه شاغلة بالي أدهم يحبها ولا لا؟ هو انا مالي اصلا؟ انا لازم اركز في مذاكرتي عشان جدي يسيبني اكمل في الجامعة ومش يجوزني”
ورجعت تاني بخطوات سريعة وراحت قعدت على مكتبها الصغير وفتحت الكتاب بتاع المادة بتاعته، مادة أدهم.
فتحت الكتاب وبصت فيه شوية، الحروف كلها داخلة في بعضها، شايفة وشه هو مش شايفة الكلام.
وردة رمت القلم وقالت لنفسها بزهق: “وبعدين بقى.. انا مش عارفة افكر غير في أدهم.. اعمل ايه يا ربي”
وحطت راسها على الكتاب.
…
في أوضة أدهم.
أدهم خرج من الحمام بعد ما خد شاور، لابس تيشيرت اسود وبنطلون بيتي وشعره لسه مبلول، شكله مرهق بس هادي.
نام على السرير على ضهره وبص للسقف وهو بيفكر في وردة، وفي سؤالها اللي لسه بيرن في ودنه.
أدهم كلم نفسه بصوت واطي: “انت بتحب دكتورة نسرين؟.. سؤالك ده كان معناه ايه يا وردة.. غيرة؟ ولا مجرد فضول؟.. وانا كنت هرد اقولك ايه.. اقولك اني مبحبش غير واحدة مجنونة واقفة قدام اوضتي من ساعة ما كانت بضفاير؟”
اتقلب على جنبه وغمض عينه وهو لسه بيفكر فيها، وراح في النوم من التعب.
بعد 3 ساعات.
صوت خبط هادي على باب اوضته، واحدة من الخدم واقفة بره.
الخادمة قالت بصوت واطي: “دكتور أدهم.. العشا جاهز تحت.. وجدك مستنيك على السفرة”
أدهم قام مفزوع من النوم وبص في الساعة واتعدل بسرعة وقال: “حاضر.. نازل حالا”
لبس بسرعة ونزل على تحت.
السفرة الطويلة بتاعة قصر الرشيدي مليانة، الجد قاعد في الصدارة والجدة جنبه وولادهم واحفادهم كلهم متجمعين، صوت المعالق والكلام.
أدهم سلم وقعد في مكانه، بس عينه بتدور تلقائيا على الكرسي الفاضي اللي جنب سناء، كرسي وردة.
أدهم كان قلقان عليها، ولسه هيفتح بوقه ويسأل مامتها هي فين.
وفجأة سمع صوت كعب نازل على السلم.
كل اللي على السفرة بصوا، كانت وردة نازلة من اوضتها، لابسة فستان قصير شيك وشعرها معمول حلو وحاطة ميك اب خفيف وشايلة كتاب في ايديها وشنطتها على كتفها وجاهزة عشان تخرج.
أدهم اتصدم اول ما شافها وقف مكانه ومش مصدق، وعينه ثبتت عليها.
أول ما وردة نزلت ووقفت قدام السفرة بفستانها، أدهم قام وقف مرة واحدة والكرسي عمل صوت جامد في الأرض، وعينه عليها كلها غضب.
أدهم بص لها من فوق لتحت وقال بصوت عالي ومتعصب: “ايه اللي انتي عاملاه في نفسك ده!”
الجد، الراجل الكبير اللي هيبة القصر كله، رفع راسه وبص لوردة وعينه وسعت من المنظر واتعصب هو كمان.
الجد خبط بايده على الترابيزة وقال بزعيق: “ايه القرف ده يا وردة.. من امتى وانتي بتلبسي الحاجات دي؟”
وردة اتخضت ووشها اصفر من الخوف، مسكت طرف الفستان بايدها وقالت بصوت مهزوز: “يا جدي.. كل البنات بيلبسوا كده عادي”
أدهم قرب منها خطوتين وهو متعصب وعينه بتطق شرار وقال بنبرة حادة: “وانتي لابسة كده ورايحة فين يا هانم؟”
وردة بلعت ريقها وبصت في الأرض بخوف وقالت: “هروح اذاكر مع ولاء صاحبتي.. اخوها معتز هيذاكر لنا”
اول ما قالت اسم معتز، أدهم وشه اتقلب 180 درجة، هو عارف معتز اخو ولاء كويس، عارف انه شاب طايش وبتاع بنات وصايع.
أدهم اتعصب اكتر وصوته علي وقال: “مبقاش في غير معتز الصايع ده كمان هو اللي هيذاكر لك! مفيش خروج لأي مكان.. انا اللي هذاكر لك هنا”
وردة اتوترت وبصت بسرعة لأمها سناء بعينين بتترجاها عشان تقنعهم يوافقوا.
سناء لسه هتتكلم، أدهم قطعها وزعق في وردة وقال بحدة: “اتحركي من قدامي.. اطلعي اوضتك غيري القرف ده وانزلي عشان اذاكر لك”
وردة طلعت على أوضتها وهي مضايقة وعينيها مليانة دموع محبوسة، رزعت الباب وراها بعنف وقعدت على السرير.
وردة كلمت نفسها وهي بتعيط بغيظ: “هو فاكر نفسه ايه.. يتحكم في حياتي كده ليه.. كل حاجة لا ومينفعش ومتخرجيش.. وهو عايش حياته وبيحب نسرين وبيخرج معاها ولا حد بيقوله انت بتعمل ايه”
وحضنت المخدة وفضلت تعيط.
تحت على السفرة الجو كان لسه مشحون، بعد ما وردة طلعت أوضتها الجد بص لأدهم وسكت ثانية وبعدين قال بصوت هادي ووقور: “تعالى معايا أوضة المكتب يا أدهم”
أدهم هز راسه وقام ورا جده.
بيدخل أدهم ورا جده المكتب، المكتب كبير وقديم وريحته خشب وكتب، الجد قعد على كرسيه الجلد الكبير وأدهم قعد قدامه على الكرسي الصغير وملامحه لسه مكشرة.
الجد سكت شوية بيفكر وبص لأدهم وقال بقلق: “وبعدين يا أدهم.. هنعمل إيه مع وردة بنت عمك؟ البنت صغيرة وأنا خايف عليها.. بنت عمك طايشة وسهل أي حد يضحك عليها”
أدهم اتعدل في قعدته وبص لجده وقال بجدية: “متقلقش يا جدي.. وردة صحيح صغيرة وطايشة بس هي متربية كويسة.. كل الحكاية إنها بتشوف البنات أصحابها بيعملوا إيه وعايزة تعمل زيهم”
الجد هز راسه وقال وهو بيبص لأدهم نظرة كلها ثقة: “خلي بالك منها يا أدهم.. عينك تبقى عليها في الجامعة.. أنا واثق في أخلاق حفيدتي بس خايف عليها من البنات أصحابها.. مش عايزهم يضحكوا على عقلها ويشجعوها على الغلط”
أدهم بص لجده بثقة وطمنه وقال: “متقلقش يا جدي.. انا هخلي بالي من وردة.. وردة في عيني”
الجد هز راسه برضا وقال: “انا عارف انك قدها يا أدهم”
أدهم خرج من أوضة المكتب وقفل الباب وراه، ولسه بياخد نفسه لقى وردة نازلة من على السلم من أوضتها.
كانت غيرت الفستان ولبست بيجامة بيت عادية، وشها لسه مضايق وعينيها حمرا من العياط.
وردة وقفت قدامه ومسكت ايديها في بعض بتوتر وقالت بصوت واطي ومخنوق: “انا جاهزة”
أدهم بص لها بنظرة طويلة وتفكير، فضل ساكت يبص لملامحها المضايقة وعينيها اللي بتهرب منه.
أدهم بعد تفكير قال بهدوء: “تعالي معايا على الجنينة”
وخرجوا هما الاتنين على الجنينة، الجو كان هادي ونسمة باردة، أدهم قعد على الكرسي الخشب الكبير ووردة قعدت قدامه على الكرسي التاني ومستنية ان هو يتكلم.
أدهم فضل يبصلها كتير ومبيتكلمش، عينه عليها وهي قاعدة متوترة بتلعب في صوابعها.
وردة زهقت من السكوت فبصت له وقالت بتوتر: “هنعمل ايه؟”
أدهم رد عليها بنبرة هادية بس عميقة وقال: “انتي عايزة ايه؟”
وردة اتوترت اكتر ومش عارفة تقول له ايه، وطت راسها وسكتت.
أدهم كان بيبصلها ومركز معاها وقال بصوت أوطى: “ردي يا وردة.. انتي عايزة ايه؟”
وردة رفعت عينها بسرعة وقالت بتلعثم: “انا مش عايزة حاجة.. انا كنت هروح اذاكر مع صاحبتي وخلاص”
أدهم اول ما سمع الكلمة اتعصب وخبط على الترابيزة اللي قدامهم بايده جامد.
أدهم قال بزعيق وعصبية: “لا مش عايز اسمع الكلمة دي تاني.. انتي هتذاكري هنا في البيت.. وكفاية دلع بقى”
وزعق لها اكتر ووشه كله غضب.
وردة خافت منه، قامت وقفت مرة واحدة وعينيها كلها دموع وقالت بصوت عالي وهي بتعيط: “انا بكرهك يا أدهم”
وجريت على أوضتها فوق وسابت الجنينة كلها.
أدهم فضل واقف في الجنينة مكانه بعد ما وردة جريت، الكلمة لسه بترن في ودنه.
أدهم اتضايق منها لما نطقت كلمة بكرهك، الكلمة وجعته قوي، حس كأنها خبطته، وقف يبص على السلم اللي طلعت عليه وهي بتعيط.
أدهم كلم نفسه بصوت واطي وغيظ مكتوم وقال بهزار يداري وجعه: “ماشي يا ورد.. واضح ان انتي عايزة تتربي من جديد”
—
بداية يوم جديد.
الشمس طالعة والقصر كله بيصحى، وردة نازلة من أوضتها لابسة لبس الجامعة وشنطتها على كتفها عشان تروح الجامعة.
أول ما نزلت على السلم لقت أدهم واقف قدامها، لابس قميصه وماسك مفاتيح عربيته وبيبص لها.
أدهم بص لها وقال: “رايحة فين؟”
وردة اتوترت ومسكت شنطتها جامد وقالت: “رايحة الجامعة”
أدهم قال ببرود وهو بيبص لها: “انا اللي هوصلك النهاردة”
وردة بصت له باستغراب وقالت: “عايز توصلني ليه؟ انا بروح كل يوم لوحدي”
أدهم بص لها بنظرة حاسمة وقال: “ده النظام الجديد.. تعالي ورايا”
ومشي وخرج وهي وراه متضايقة وبتبرطم.
وردة ركبت معاه العربية وهي متوترة وقاعدة بعيد عنه جنب الباب وبتبص من الشباك ومش بتتكلم.
أدهم طول الطريق بيعاملها بطريقة ناشفة، سايق ومش بيبص لها ولا بيكلمها، وكل شوية يبص لها بصة غضب تخليها تتضايق وتزعل اكتر.
أول ما وصلوا الجامعة، وردة فتحت الباب ونزلت وهبدت الباب جامد بكل غيظ.
أدهم اتنفض من صوت الباب واتضايق وبص لها بغضب.
وردة اتحركت بسرعة على المدرج من غير ما تبص وراها.
أدهم فضل قاعد في العربية ماسك الدركسيون وبيحاول يمسك أعصابه بالعافية وقال لنفسه: “ماشي يا وردة.. ماشي”
في نص اليوم.
أدهم كان عنده محاضرة في المدرج الكبير، واقف بيشرح بكل هيبة والطلبة كلها مركزة معاه، بس هو كل شوية عينه تروح ناحية الشباك لا اراديا.
في نفس الوقت وردة كانت خلصت آخر محاضرة عندها وخرجت وهي تعبانة وراحت الكافتيريا هي وولاء صاحبتها.
الكافتيريا زحمة وصوت الاغاني عالي، وردة قعدت هي وولاء على ترابيزة في النص وبيشربوا عصير وبيتكلموا.
وهي قاعدة فجأة لقت معتز أخو ولاء جاي من بعيد، شاب وسيم ولابس شيك ، قرب منهم وقعد معاهم على نفس الترابيزة وهو بيبص لوردة بحب وعينه بتلمع.
معتز بص لوردة وابتسم وقال: “ايه يا وردة.. ليه مجتيش امبارح عندنا عشان اذاكر لك انتي وولاء؟ ده انا كنت مستنيكي”
وردة اتوترت شوية وافتكرت كلام أدهم عن معتز، فحاولت تداري وقالت بكدبة سريعة: “معلش.. ماما كانت تعبانة شوية وانا قعدت معاها”
معتز قال بحنية مصطنعة: “الف سلامة عليها.. وبعدين انتي متتعبيش نفسك في المذاكرة.. انتي تؤمري وانا اذاكر لك كل حاجة”
وفضلوا يتكلموا، ومعتز بيهزر وبيحاول يكون لذيذ ودمه خفيف عشان يعجب وردة، ووردة بتضحك غصب عنها على هزاره.
ولاء قاعدة جنبهم وفرحانة ان اخوها معجب بصاحبتها.
في نفس اللحظة أدهم كان خلص المحاضرة وخرج يدور على وردة، طلع موبايله واتصل عليها.
الموبايل بيرن.. بيرن.. ومش بترد، وردة سايبة الشنطة بعيد ومش سامعة.
أدهم بدأ يقلق عليها، قفل الموبايل وفضل يدور عليها في الطرقات، بيسأل طالب هنا وطالبة هنا.
وهو ماشي بيدور، عينه جت من بعيد على الكافتيريا، شاف ترابيزة في النص، وردة قاعدة جنب معتز وبيضحكوا سوا ومعتز قريب منها قوي.
أدهم وقف مكانه مرة واحدة، عينه ثبتت عليهم ووشه كله اتقلب غضب وغيره، وقبض ايده جامد… الكاتبة ملك إبراهيم.. يتبع في الجزء الثالث
**الفصل الثالث**
**الكاتبة ملك إبراهيم**
أدهم هو ماشي بيدور، عينه جت من بعيد على الكافتيريا، شاف ترابيزة في النص، وردة قاعدة جنب معتز وبيضحكوا سوا ومعتز قريب منها قوي.
أدهم وقف مكانه مرة واحدة، عينه ثبتت عليهم ووشه كله اتقلب غضب وغيره، وقبض ايده جامد.
في نفس اللحظة وردة وهي بتضحك رفعت عينيها بالصدفة.
أول ما رفعت عينيها شافت أدهم واقف قدام الكافتيريا، إيديه في جيوبه وعينه عليها هي ومعتز، وكان واضح انه غضبان ووشه أحمر وهيكسر المكان كله عليهم.
وردة قلبها وقع في رجلها أول ما شافته.
وردة قامت بسرعة مفزوعة ولمت حاجتها وشنطتها وقالت لولاء بتوتر: “انا.. انا ماشية.. عندي محاضرة”
معتز وولاء استغربوا، معتز بص لها وقال: “ايه يا وردة.. مالك قومتي فجأة ليه؟”
بس ولاء رفعت عينها هي كمان وشافت أدهم واقف من بعيد وعينه مولعة، فهمت على طول.
ولاء بصت لأخوها وقالت بصوت واطي: “دكتور أدهم ابن عم وردة.. شكله شافك وانت بتهزر معاها واتضايق”
معتز لف وبص وراه وشاف أدهم اتحرك بسرعة ورا وردة اللي خارجة بتجري من الكافتيريا.
معتز قام وقف مرة واحدة وقال لأخته بحماس: “انا هروح اتكلم معاه واقوله اني بحب وردة وعايز اطلب ايديها”
ولاء شهقت وقالت: “يا مجنون استنى”
بس معتز كان قام فعلا ومشي وراهم.
في نفس اللحظة أدهم كان لحق وردة عند عربيته، وقف قصادها وسد عليها الطريق، كان بيبص لها وبيضغط على سنانه بغضب عشان ميعملش مشكلة في الجامعة والطلبة كلها تتفرج.
أدهم قرب منها وقال بصوت واطي كله غضب وغيرة: “ايه اللي كان مقعدك مع الزفت ده؟”
وردة بلعت ريقها وردت عليه وهي خايفة وصوتها بيترعش وقالت: “هو.. هو أخو صاحبتي وكنا بنتكلم عادي والله”
وردة وهي بتتكلم عينها جت على وشه، شافت حركة فكه وهو بيضغط عليه جامد من الغضب وعرق في رقبته برز من كتر العصبية، عرفت انه على آخره.
أدهم لسه هيرد عليها، قطع كلامهم صوت جاي من وراهم.
معتز قرب منهم وهو شايف خوف وردة من أدهم وعينه عليها، وقف جنب أدهم وقال بثقة: “انا عايز اتكلم معاك في موضوع يا دكتور”
أدهم أول ما شافه وشه اتقلب أكتر واتعصب أكتر، بص لمعتز نظرة لو قتلت كانت قتلته، وبعدين بص لوردة.
أدهم قال لوردة بزعيق مكتوم عشان محدش يسمعهم: “اركبي مع السواق يرجعك البيت وحسابنا هناك”
وردة ما صدقت، اتحركت من قدامه بسرعة وهي بتعيط وبتجري ناحية عربية السواق اللي واقفة بعيد.
أدهم فضل واقف وباصص لمعتز بغضب وعينه حمرا وقال بصوت كله تهديد: “تعالى ورايا على المكتب نتكلم هناك”
—
في مكتب أدهم. المكتب مقفول وهادي بس الجو جواه مشحون، أدهم واقف قصاد معتز وإيديه في جيبه وعينه مولعة، ومعتز واقف قدامه خايف.
أدهم وقف قصاده وقال بصوت حاد: “عايز تتكلم معايا في ايه؟”
معتز بلع ريقه وكان خايف ومتردد وفرك ايديه في بعض وقال: “انا بصراحة.. بحب وردة بنت عم حضرتك وعايز اخطبها”
أدهم أول ما سمع الكلمة اتسمر مكانه وبص له بطريقة مرعبة، عينه وسعت وفكه بيترعش وهو بيحاول يمسك أعصابه ميق/تلوش في المكتب.
معتز شاف نظرة أدهم فاتوتر أكتر وكمل كلامه بسرعة عشان يلحق نفسه وقال: “انا اتكلمت مع بابا وماما وهما موافقين وفرحانين بوردة جدا.. وبابا قالي لما اتخرج السنة دي واشتغل معاه في شركته.. هنيجي نتقدم رسمي”
أدهم بص له بغضب وسأله بصوت عالي: “وردة عارفة انك عايز تخطبها؟”
معتز اتوتر وبص في الأرض وقال بكدب وهو بيحاول يبين واثق: “اه طبعا.. انا فتحت الموضوع معاها ولو مكنتش واثق من موافقتها وانها بتبادلني نفس المشاعر مكنتش كلمت حضرتك.. انا عرفت حضرتك اني ناوي خير وعايز اخطبها بجد عشان متزعقلهاش لما شوفتها قاعدة معايا”
أدهم قرب منه خطوة وعينه في عينه وقال بعصبية وصوته بيرج المكتب: “ولحد ما تتقدم لها رسمي وجدها يوافق او يرفض.. ممنوع تقرب منها او أشوفك قدامي في أي مكان فيه وردة.. مفهوم؟”
معتز استغرب ووشه احمر من الاحراج وقال: “انا ممكن اجيب بابا ونيجي نقرا فاتحة”
أدهم زعق بصوت عالي غاضب وقال: “لما تتخرج وتشتغل وتبقى راجل يعتمد عليه وتقدر تفتح بيت.. ابقى تعالى اتكلم.. انما طول ما انت عيل لسه بياخد مصروفه من ابوه.. تركز في دراستك أحسن”
معتز فتح بوقه عشان يحاول يتكلم ويدافع عن نفسه.
أدهم قطعه في نص الكلام وشاور له على الباب وقال بنبرة حاسمة: “الكلام انتهى.. اتفضل.. ومش عايز اشوفك قريب من وردة تاني”
معتز سكت ووشه كله احراج، خرج من مكتب أدهم وهو مضايق وحاسس ان أدهم حرجه وكسره قدامه.
لسه معتز طالع من المكتب، نسرين كانت جاية من آخر الطرقة وشافته وهو خارج وشه مقلوب، استغربت ودخلت هي بسرعة على مكتب أدهم.
أدهم كان واقف مدي ضهره للباب وبيخبط بايديه على مكتبه بكل عصبية، نفسه طالع نازل.
نسرين قربت منه بسرعة بلهفة وقالت: “أدهم.. في ايه؟ ايه اللي حصل؟”
أدهم لف لها وقال بصوت مخنوق وهو متعصب: “انا متعصب دلوقتي يا نسرين.. معلش سيبيني لوحدي”
بس نسرين رفضت تمشي وفضلت واقفة قدامه وتزن عليه باهتمام وقالت: “لا مش هسيبك كده.. تعالى نخرج لأي مكان نشرب حاجة برا يمكن تهدا شوية”
أدهم كان لسه متردد، بس وافق في الآخر لأنه كان مضايق فعلا ومخنوق.
فكرة واحدة مسيطرة على دماغه ومش قادر يبعدها، خايف يصدق حقيقة ان وردة بتبادل معتز مشاعر الحب بجد.
—
عند وردة. وردة رجعت البيت وهي زعلانة وعينيها حمرا، ما سلمتش على حد وطلعت على أوضتها على طول ورزعت الباب وراها، رمت شنطتها على السرير وقعدت تعيط.
تليفونها رن، كانت ولاء صاحبتها.
وردة ردت بصوت مخنوق: “الو”
ولاء قالت بقلق: “ايه يا وردة انتي كويسة؟ طمنيني عليكي.. دكتور أدهم قالك ايه؟”
وردة حكت لها كل اللي حصل في الجامعة وهي بتعيط وقالت: “زعقلي قدام اخوكي وخلاني ارجع مع السواق زي العيال الصغيرة.. بيتحكم فيا كأني عيلة”
ولاء سكتت ثانية وبعدين قالت بحماس عشان تغير الموضوع: “بقولك ايه.. انا شفت دكتور أدهم وهو خارج من الجامعة مع دكتورة نسرين.. وهما ماسكين ايد بعض ومبسوطين قوي.. شكله رايح يخرجها ويقضوا وقت حلو مع بعض”
أول ما ولاء قالت كده، وردة سكتت مرة واحدة.
التليفون فضل في ودنها وهي حاسة بوجع غريب في قلبها، قفلت مع ولاء بسرعة.
وردة قامت وقفت قدام المراية وعينيها مليانة دموع وقالت لنفسها بصوت واطي كله غيظ: “اشمعنا هو بيخرج وعايش حياته مع نسرين.. وانا كل حاجة لا وممنوع.. لا متلبسيش.. لا متخرجيش.. لا متكلميش ده”
وفضلت رايحة جاية في الأوضة بتفكر والغيرة والزعل واكلينها.
وردة قعدت على السرير وقالت لنفسها بعناد: “هو فاكر انه هيحبسني ويتحكم في حياتي وهو يعيش حياته.. لا.. انا لازم اتمرد عليه ويكون ليا رد فعل.. مش هفضل اسمع كلامه تاني”
—
**روايات الكاتبة ملك إبراهيم**
عند أدهم ونسرين. كانوا قاعدين في كافيه هادي على النيل، الإضاءة خافتة والمكان رايق.
أدهم قاعد قدامه فنجان قهوة وبيبص قدامه سرحان ومش مركز، ونسرين قاعدة قدامه بتشرب عصير وبتبص له باهتمام.
نسرين قربت العصير من بوقها وبعدين قالت بحنية: “مالك يا أدهم؟ ايه سبب اللي مضايقك كده؟ احكيلي”
أدهم مردش عليها على طول، كان شارد في الكلام اللي سمعه من معتز في المكتب، كلمة “بتبادلني نفس المشاعر” بترن في ودنه ومش قادر ينساها.
أدهم قال لنفسه وهو سرحان: “معقول وردة بتحبه بجد؟”
ومن بعيد على ترابيزة ورا شجرة، كان معتز موجود في نفس المكان اللي هما قاعدين فيه.
معتز كان شافهم في الجامعة وهما خارجين مع بعض، واتحرك وراهم بعربيته عشان يراقبهم ويعرف ايه علاقتهم ويفضح أدهم وياخد حقه بعد ما أدهم هزقه النهاردة في مكتبه.
معتز كان قاعد وبيراقبهم وعينه عليهم وبيبتسم بخبث.
نسرين استغلت شرود أدهم ومدت ايديها فوق الترابيزة ومسكت ايديه الاتنين وهي بتبص له بحب وعينيها بتلمع.
في نفس اللحظة دي معتز طلع تليفونه بسرعة وصور اللقطة دي بتليفونه، صور ايديها وهي ماسكة ايد أدهم، قبل ما أدهم يسحب ايده بدهشة وهو بيبص لنسرين مصدوم.
أدهم سحب ايده بسرعة وقال: “نسرين.. انتي بتعملي ايه؟”
نسرين وشها احمر واتكسفت بعد ما أدهم سحب ايده من تحت ايديها، بصت في الأرض وبعدين رفعت عينيها وقالت بصوت واطي كله حب: “أدهم… انا بحبك”
أدهم اتصدم أول ما سمع كلمة بحبك من نسرين، عينه وسعت وفضل باصص لها ومش عارف يرد.
نسرين تجاهلت صدمته وكملت كلامها وهي بتبص له بحب وثقة وقالت: “احنا متفاهمين جدا يا أدهم وشخصياتنا قريبة من بعض.. وكل اللي حوالينا شايفين اننا مناسبين لبعض.. انا وانت لايقين على بعض قوي”
أدهم كان مصدوم ومش عارف يقول ايه، هو مش بيحب يحرجها ومش عايز يجرحها، بس في نفس الوقت هو مش بيبادلها نفس المشاعر.
أدهم سكت ثانية وهو بيفكر ازاي يقولها من غير ما يجرحها، قلبه بيدق ومتوتر.
أدهم بص لها وقال بصوت هادي وهو بيحاول يتهرب: “نسرين.. ممكن نتكلم في الموضوع ده بعدين؟ انا عندي مشاكل في البيت ومش عارف اتكلم دلوقتي ودماغي مشغولة”
نسرين وشها اتغير شوية بس هزت راسها وقالت: “ماشي يا أدهم.. اللي يريحك”
أدهم شاور للجرسون وحاسب وقاموا هما الاتنين يمشوا، أدهم ماشي سرحان ونسرين ماشية جنبه زعلانة.
من وراهم على الترابيزة البعيدة، معتز قاعد وبيضحك بمكر وهو بيبص على الصورة اللي لقطها على تليفونه، صورة نسرين ماسكة ايد أدهم.
معتز بص على الصورة وضحك ضحكة خبيثة وقال لنفسه: “حلو قوي.. هفكر بقى في عنوان فضيحة مناسب انزله مع الصورة دي عشان افضح أدهم في الجامعة كلها واخد حقي منه”
—
أدهم رجع البيت ووشه كله تعب وتفكير، دخل القصر وسأل الدادة: “وردة فين؟”
الدادة قالت: “في أوضتها من ساعتها بتذاكر ومش راضية تاكل”
أدهم طلع على فوق ووقف قدام أوضتها وخبط على الباب خبطة خفيفة.
وردة من جوة قالت بصوت واطي وزعلان: “اتفضل”
أدهم فتح الباب ودخل وهو بيبص لها.
وردة كانت قاعدة على السرير وفاتحة الكتاب وبتذاكر، لابسة بيجامة بينك فاتح وعاملة شعرها كحكة عشوائية طالع منها خصلتين على وشها، شكلها زي القمر، بريئة وزي الملايكة، بشرتها صافية بدون ميكب وعيونها سودا بتلمع من أثر العياط.
أدهم أول ما شافها سرح في جمالها، وقف مكانه ونسي هو كان جاي يتكلم في ايه، نسي معتز ونسرين والجامعة وكل حاجة، فضل باصص لها متنح.
وردة رفعت عينها لقيته بيبص لها كده، افتكرت على طول كلام ولاء، انه بعد ما زعق لها في الجامعة راح يتفسح مع نسرين وماسك ايدها ومبسوط.
وردة وشها اتقلب وزعلها زاد واتغاظت أكتر، قفلت الكتاب بعنف وقالت ببرود وهي بتبص الناحية التانية: “عايز ايه؟”
أدهم فاق من سرحانه على صوتها.
أدهم حاول يرجع لتركيزه بالعافية وشال عينه من عليها وقال بنبرة حادة: “الولد اللي اسمه معتز ده.. بالنسبة لك ايه؟”
وردة اتضايقت من طريقته وكلامه كأنه بيحقق معاها، وقالت جواها وهي بتبص له بغيظ: “هو مسيطر ومتحكم في حياتي.. عايز يعرف كل حاجة عني.. انما هو يعمل اللي هو عايزه”
أدهم واقف مستني ردها، كل لحظة بتعدي عليه كأنها سنين، قلبه بيدق بسرعة واعصابه بتسيب، اتعصب وسأل تاني بصوت عالي: “ردي عليا؟”
وردة بصت له بعناد وردت باستفزاز عشان تغيظه: “والله علاقاتي العاطفية دي تخصني انا لوحدي”
أدهم اتصدم وبرق لها وقال بصدمة: “هي وصلت لعلاقاتك العاطفية.. انتي عارفة يعني ايه علاقة عاطفية؟”
وردة ردت بتلقائية وبراءة وهي مش فاهمة معناها بجد: “اه يعني اصحابي”
أدهم ضغط على سنانه واتنهد بغضب وقال: “عارفة انا لو مش متأكد ان انتي مش فاهمة معنى الكلمة كنت عملت فيكي ايه؟”
وردة وقفت بتحدي قدامه وقالت بزعيق: “انا عارفة كل حاجة على فكرة.. وكفاية بقى تتعامل معايا على اني صغيرة.. انا كبرت واعرف اخد بالي من نفسي كويس.. خليك انت مركز في الدكتورة نسرين هانم بتاعتك”
أدهم أول ما سمع اسم نسرين فهم على طول، ابتسم وضحك ضحكة خفيفة وقال: “الدكتورة نسرين؟ انتي شاغلة بالك بيها ليه؟”
وردة اتعصبت اكتر لما شافته بيضحك واخدت كتاب فتحته بعنف وقالت وهي بتبرطم: “عشان مش بفهم منها حاجة.. هي اصلا مش جاية الجامعة عشان تدرس.. هي شكلها بتدور على عريس”
أدهم قرب منها وضحك وقال وهو بيبص لها: “وانتي بتروحي الجامعة تعملي ايه؟”
وردة ردت بثقة وهي رافعة راسها: “بروح عشان ده مستقبلي”
أدهم هز راسه وقال ببرود وهو بيحاول يداري غيرته: “تمام.. وانتي رايحة الجامعة عشان مستقبلك.. مش عايز اشوفك تاني مع الولد اللي اسمه معتز ده.. فاهمة.. ده لو انتي عايزة تكملي في الجامعة”
خلص كلامه وخرج ورزع الباب وراه.
وردة أول ما خرج دبدبت على الأرض برجليها من الغيظ وقالت بصوت عالي: “مستفز اوي.. مستفز”
—
صباح يوم جديد في الجامعة. الجامعة كلها مقلوبة، كل الطلاب واقفين في مجموعات وماسكين تليفوناتهم وبيتفرجوا على صورة واحدة.
صورة دكتور أدهم ودكتورة نسرين قاعدين في الكافيه وهي ماسكة ايده فوق الترابيزة ومكتوب فوقها بخط كبير: “فضيحة الجامعة”
كل الدكاترة والعميد، الجامعة كلها مقلوبة لان دكتورة نسرين تبقى بنت عميد الجامعة.
أدهم وصل الجامعة بعربيته وهو مش فاهم، نزل لقى الكل بيبصوا عليه وبيتاهمَسوا عليه، طلبة بتشاور وبتضحك.
أدهم استغرب ومشى بسرعة ناحية مكتبه، لقى موظف في الجامعة جاي يجري عليه ويقوله بتوتر: “دكتور أدهم.. العميد عايزك في مكتبه حالا”
وردة كانت داخلة هي كمان، لقت الزحمة، قربت من ولاء وسألتها بخوف: “هو في ايه؟”
ولاء طلعت تليفونها وورّتها الصورة، صورة أدهم وهو ماسك ايد دكتورة نسرين في لقطة رومانسية بينهم.
وردة أول لما شافت الصورة اتصدمت ووقفت مكانها، دموعها نزلت غصب عنها وقلبها اتوجع.
فجأة الصوت سكت مرة واحدة، العميد خارج من مكتبه ومعاه أدهم وشه غضبان، ومعاهم دكتورة نسرين وشها في الأرض ومكسوفة.
العميد وقف في نص الساحة قدام كل الطلاب واتكلم بصوت عالي غاضب وقال: “الشخص اللي نشر الصورة دي احنا هنعرفه وهيتحاسب.. وبخصوص الصورة دي فأنا حابب أعلن قدام كل الجامعة.. ان بنتي الدكتورة نسرين.. تبقى خطيبة دكتور أدهم”
اللحظة اللي نطق فيها كلمة “خطيبة دكتور أدهم” عيون وردة اللي بتلمع بالدموع اتقابلت مع عيون أدهم اللي كانت بتدور عليها وسط الزحمة…
**الكاتبة ملك إبراهيم… يتبع في الجزء الرابع**