هاغسل رجليك حكايات من زمان فات

الجزء الثاني
دخل الدكتور شريف الغرفة كعادته، يحمل كوب الماء وعلبة الدواء.
ابتسم أحمد ابتسامة هادئة، ومد يده، ثم ابتلع الحبتين أمام الجميع.
لكن ما إن خرج الطبيب حتى أخرج الدواء من تحت لسانه وألقاه داخل أصيص الزرع بجوار الشرفة.
كان يعرف أن لحظة المواجهة لم تأتِ بعد.
هو لا يريد أن يعرف فقط من يحاول شلّه… بل يريد أن يعرف من يدير اللعبة كلها.
في نفس الوقت…
دخل حسام المكتب وهو يحمل ملفات الشركات.
ابتسم وقال
في شركة النقل وافقت على الصفقة الجديدة… بس محتاجين توقيعك.
رفع أحمد عينيه إليه.
ولأول مرة منذ سنوات…
لاحظ شيئًا غريبًا.
حسام لم يعد ينظر إليه كما كان يفعل قديمًا.
لم يعد ينظر لرئيسه…
بل لرجل انتهى دوره.
أخذ أحمد القلم، ووقّع بهدوء، ثم قال
حسام… لو رجعت أمشي تاني… هنعمل عمرة سوا زي زمان.
ارتبك حسام للحظة…
ثم ضحك ضحكة مصطنعة.
يا باشا… أهم حاجة صحتك.
لكن عرقًا باردًا ظهر على جبينه.
بعد الظهر…
كانت مريم تلعب في الحديقة.
وفجأة…
شاهدت الدكتور شريف يقف خلف الجراج وهو يتحدث في الهاتف بصوت منخفض.
اقتربت أكثر وهي تحمل دميتها.
سمعته يقول
لا تقلق… هو لسه مش شاكك في حاجة… كمان كام أسبوع وهيبقى عاجز تمامًا.
ثم سكت قليلًا.
وأضاف
الفلوس لازم تتحول النهارده… وأنا عايز باقي المبلغ.
تجمدت مريم مكانها.
لم تفهم كل الكلام…
لكنها حفظت جملة واحدة.
هيبقى عاجز تمامًا.
وفي

اللحظة نفسها…
تحركت قدمها فوق غصن جاف.
طَق!
استدار الدكتور شريف بسرعة.
نظر حوله.
لكن مريم كانت قد اختبأت خلف شجرة مانجو كبيرة وهي تضم دميتها إلى صدرها، وقلبها يكاد يخرج من مكانه.
انتظر الطبيب ثوانٍ…
ثم غادر.
ركضت الصغيرة إلى أمها وهي تبكي.
قالت سعاد بقلق
مالِك يا حبيبتي؟
قالت مريم وهي تلهث
الدكتور الوحش… بيقول لعمو أحمد هيخليه تعبان على طول.
ارتبكت سعاد.
وضعت يدها على فم ابنتها بسرعة.
اسكتي… الكلام ده لو حد سمعه هنتطرد من هنا.
لكن مريم هزت رأسها بعناد.
لازم أقوله.
في المساء…
كان أحمد يجلس وحده في المكتبة.
دخلت مريم بخطوات صغيرة.
وقفت أمامه وقالت بصوت خافت
عمو أحمد…
انحنى نحوها مبتسمًا.
نعم يا بطلة؟
قالت وهي تنظر حولها حتى تتأكد أن لا أحد يسمع
الدكتور بيقول هيخليك تعبان على طول… وكان بيكلم واحد في التليفون.
اختفت الابتسامة من وجه أحمد.
نظر مباشرة إلى الصغيرة.
لم تكن تعرف معنى الكذب أصلًا.
فسألها بهدوء
سمعتي الكلام ده بنفسك؟
هزت رأسها.
أيوه… وأنا استخبيت ورا الشجرة.
ظل أحمد صامتًا لعدة ثوانٍ.
ثم ضغط زرًا صغيرًا أسفل مكتبه.
بعد أقل من دقيقة…
دخل عم رمضان.
قال أحمد دون أن يرفع صوته
من اللحظة دي… أي خطوة للدكتور شريف تتحسب.
أي مكالمة…
أي زيارة…
أي تحويل فلوس…
عايز أعرف كل نفس بيتنفسه.
ولو حس إنه مراقَب…
اعتبر نفسك مطرود.
هز عم رمضان رأسه وغادر فورًا.
أما أحمد…
فنظر إلى مريم، وربت على رأسها بحنان وقال
إنتِ أنقذتيني مرتين يا بطلة…
وأقسم في داخله أنه لن يسمح لأحد أن يمس شعرة واحدة من رأسها أو رأس أمها، مهما كان الثمن.
لكن ما لم يكن يعلمه…
أن الشخص الذي يتلقى اتصالات الدكتور شريف…
لم يكن غريبًا أبدًا.
بل كان يجلس كل ليلة على مائدته…
ويشاركه الطعام…
وكان اسمه… حسام.
الجزء الثالث
أصدر أحمد أوامره بمراقبة الدكتور شريف وداليا… لكن من غير ما يبلغ حسام بأي كلمة.
بعد يومين…
وصل أول تقرير.
كانت الصور واضحة.
الدكتور شريف يقابل داليا داخل كافيه راقٍ في الزمالك.
داليا كانت تسلمه مظاريف سميكة مليانة فلوس.
أما شريف…
فلم يكن يبدو كرجل بيقبض رشوة.
كان ينظر حوله بخوف.
ويداه ترتجفان وهو يضم المظاريف إلى صدره، كأنها نار في إيده.
وبعد مراجعة الحسابات…
اكتشف أحمد أن أكثر من خمسة وثلاثين مليون جنيه خرجوا من شركات مملوكة لداليا، وتحولوا إلى مستشفى خاصة مرتبطة بالدكتور شريف.
في تلك اللحظة…
اشتعل الغضب داخل أحمد.
واقتنع أن داليا هي العقل المدبر لكل ما يحدث.
لكن…
ولأنه لم يعد يثق في أي تشخيص، استدعى سرًا واحدًا من أفضل أطباء التأهيل العصبي في مصر، وجعله يدخل القصر ليلًا دون أن يعلم أحد.
فحص الطبيب ساقي أحمد بدقة.
ثم نظر إليه وقال
الإصابة موجودة فعلًا… لكنها مش دائمة.
تجمد أحمد مكانه.
يعني إيه؟
لو بطلت السم… وبدأت علاج طبيعي بانتظام كل ليلة… هتمشي تاني.
لأول مرة منذ ستة أشهر…
شعر أحمد أن الأمل عاد إليه.
لكن كان يحتاج إلى شخص يساعده.
شخص لا يطمع في أمواله…
ولا يخاف من نفوذه…
ولا يعمل لحساب أحد.
فكر طويلًا…
ثم اختار سعاد.
عاملة النظافة.
لأنها خلال عامين كاملين…
لم تفتح درجًا ليس من حقها.
ولم تنقل سرًا سمعته.
وكانت دائمًا تحمي الضعفاء.
استدعاها إلى مكتبه.
وأغلق الباب.
ثم قال بصوت منخفض
في حد في البيت ده عايز يقتلني.
اصفر وجه سعاد.
وشعرت أن قدميها لم تعودا تحملانها.
أكمل أحمد
لازم أتدرب في السر.
ولو وافقتي تساعديني… إنتِ ومريم هتبقوا في خطر.
نظرت إليه للحظات.
ثم ابتسمت ابتسامة هادئة وقالت
بنتي كل يوم بتقول إن رجليك نايمين…
وأنا هساعدها تصحيهم.
ومنذ تلك الليلة…
بدأت رحلة جديدة.
كان أسفل القصر قبو قديم يستخدم قديمًا لتخزين الخمور.
حوّله أحمد إلى مكان للتدريب.
كل ليلة…
بعد أن ينام الجميع…
تنزل سعاد مع مريم.
كانت مريم تجلس في الركن وهي تحتضن دبدوبها الصغير.
بينما يحاول أحمد الوقوف بين عارضتين معدنيتين.
كان يسقط…
فتنزف ركبتاه.
ثم يحاول مرة أخرى.
ويسقط من جديد.
وسعاد تدلك ساقيه بزيت دافئ.
وتقول بإصرار
قوم يا باشا…
لسه بدري على الاستسلام.
ولم تسمح له يومًا أن يتوقف.
في المقابل…
بدأت داليا تلاحظ أن أحمد أصبح أقرب إلى سعاد ومريم.
فازداد حقدها.
وفي أحد الأيام…
أمسكت بمزهرية أثرية باهظة الثمن.
وألقتها عمدًا على الأرض حتى تحطمت.
ثم صرخت أمام كل العاملين
سعاد هي اللي كسرتها!
حاولت سعاد تشرح الحقيقة.
لكن داليا لم تمنحها فرصة.
صفعتها مرة.
ثم
لمحة نيوز

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *