مرات ابني
يوم عيد ميلادي.
وعملتي إيه بالفلوس؟
ابتسمت.
ولا حاجة تخصكم.
داليا قربت.
يعني كنتِ عايشة معانا وإنتِ معاكي كل ده؟
قلت
كنت عايشة معاكم وأنا فاكرة إنكم عيلتي.
الجملة دي خلتها تسكت.
لكن المفاجأة الحقيقية كانت لسه جاية.
تليفوني رن.
كان الأستاذ سامح.
حطيت السماعة على الطاولة.
أيوه يا أستاذ سامح؟
قال
مدام نادية، كل حاجة جاهزة.
كريم سمع.
جاهزة لإيه؟
بصيت له.
النهارده آخر يوم ليكم في البيت.
داليا انتفضت.
إنتِ قولتي مش هتطردينا!
مش هطردكم.
قلت بهدوء
العقد بتاع البيت انتهى من امبارح.
كريم بصلي بصدمة.
يعني إيه؟
يعني البيت اتباع.
لمين؟
بصيت له.
لشخص مش هتقدروا تختلفوا معاه.
دخل الأستاذ سامح من باب البيت في نفس اللحظة.
كان معاه راجل في الخمسينات.
كريم أول ما شافه…
اتجمد.
عمي؟
الراجل كان أخو أبوهم، عادل.
عادل قرب منه وقال
أبوك وصاني عليك قبل ما يموت.
كريم ما قدرش يتكلم.
عادل بص له بحزن.
وقاللي لو في يوم أمك احتاجت حماية من أي حد… حتى لو كان ابنه… أقف جنبها.
كريم نزل عينه.
داليا بدأت تعيط.
لكن أنا ما حسيتش بالشماتة.
حسيت بس إن أربع سنين من الوجع أخيرًا خلصوا.
قبل ما أخرج من البيت، طلعت الدور التاني.
دخلت أوضتي.
بصيت على السرير.
على الدولاب.
على الشباك اللي كنت بقف عنده كل ليلة.
دي كانت أكتر أربع سنين حسيت فيهم إني ضيفة في حياتي.
حطيت إيدي على الكومودينو.
وقلت لنفسي
خلاص.
خرجت.
لقيت كريم واقف مستنيني.
قال
ماما.
وقفت.
نعم؟
دموعه كانت نازلة.
أنا آسف.
سكت.
قال
والله ما كنت أقصد أوصلك لكده.
بصيت له فترة طويلة.
يمكن.
طب سامحيني.
قلت
المسامحة حاجة، والثقة حاجة تانية.
سكت.
أنا مش هقطعك من حياتي يا كريم.
رفع عينه.
بس مش هرجع أعيش بالطريقة دي.
هز راسه.
فاهم.
قربت منه.
وحطيت إيدي على كتفه.
لما تحتاجني، هتلاقيني أمك.
وبعدين شلت إيدي.
بس مش خدامتك.
بعد شهرين، بدأت حياة جديدة.
اشتريت بيت صغير في رأس البر.
بيت على البحر.
مش قصر.
ولا فيلا.
بيت هادي فيه جنينة صغيرة وبلكونة بتشوف البحر.
عملت أوضة للضيوف.
وأوضة لكل حفيدة من حفيداتي.
لكن ما خليتش حد يعرف إن البيت باسمهم كمان.
أسست مؤسسة صغيرة لمساعدة الستات الكبار اللي أولادهم سابوهم.
واستخدمت جزء من فلوسي في علاج سيدات معاشاتهم ما كانتش مكفية أكلهم ودواءهم.
أما حفيداتي…
ما حرمتهمش مني.
لكن عملت حاجة واحدة.
كل شهر كنت ببعت لهم فلوس في حساب باسمهم.
مش باسم أبوهم.
ومش باسم أمهم.
عشان لما يكبروا، يبقى عندهم حاجة تخصهم.
بعد ست شهور، جالي ظرف.
كان من كريم.
فتحت الرسالة.
كان كاتب
ماما…
أنا مش هطلب منك ترجعي البيت.
أنا عارف دلوقتي إن البيت كان عمرك كله، وإنك كنتِ بتتنازلي عن حاجات كتير عشاننا.
أنا اتعلمت متأخر.
بس اتعلمت.
داليا بدأت تشتغل، وأنا بدأت أتحمل مسؤوليتي في بيتي بدل ما أرميها عليكي.
وأنا كل أسبوع بقول لبناتي إن جدتهم مش ست عجوز محتاجة حد يصرف عليها.
جدتهم هي أكتر واحدة وقفت جنبنا.
ولو في يوم قدرت أصلح اللي عملته، هفضل أحاول.
قريت الرسالة مرتين.
وبعدين حطيتها في درج مكتبي.
ما اتصلتش بيه.
مش عشان أنا قاسية.
لكن عشان كنت عارفة إن الاعتذار الحقيقي مش مكالمة.
الاعتذار الحقيقي…
إن الإنسان يغيّر نفسه.
بعد سنة، في عيد ميلادي ال، كنت قاعدة في البيت على البحر.
الساعة كانت حوالي سبعة بالليل.
سمعت جرس الباب.
فتحت.
لقيت كريم واقف.
ومعه داليا والبنات.
كريم كان شايل علبة كبيرة.
قال
عيد ميلاد سعيد يا أمي.
ابتسمت.
إيه ده؟
قال
افتحي.
فتحت العلبة.
كان فيها تورتة فانيليا.
وعليها رقم
74
وداليا واقفة ورا كريم.
في إيدها علبة صغيرة.
مدتها لي.
دي ليكي.
فتحتها.
كان جواها…
كارت خدش.
بصيت لها.
وبصيت لكريم.
داليا ضحكت وقالت
المرة دي تمنه 500 جنيه.
ضحكت.
ليه؟ ناوية تخلصي عليّا؟
ضحكوا كلهم.
وبعدين قالت
لا.
سكتت لحظة.
المرة دي جبتهولك عشان تفتكري إننا أخدنا درس.
مسكت الكارت.
وبصيت لكريم.
قلت
مش هخده.
اتصدم.
ليه؟
قلت
مش محتاجة حظ.
ورجعت الكارت لداليا.
أنا حظي الحقيقي إني عرفت قيمتي قبل ما أموت.
مش عشان نسيت.
لكن عشان قررت ما أخليش اللي حصل يحول قلبي لحجر.
بعد ما مشيوا، رجعت أقعد في البلكونة.
قدامي البحر.
والهواء داخل بهدوء.
فتحت الدرج.
طلعت الكارت القديم.
الكارت اللي بدأ منه كل شيء.
حطيته جنب صورة محمود.
وبصيت للصورة وقلت
كنت خايف عليّا زيادة عن اللزوم يا محمود.
ضحكت.
بس كنت عندك حق.
قفلت الدرج.
ومن يومها…
ما عدتش الست اللي مستنية ابنها يفتكر عيد ميلادها.
ولا الست اللي مستنية مرات ابنها تقولها إنها عبء.
ولا الست اللي خايفة من بكرة.
بقيت نادية.
ست عندها 74 سنة…
وعارفة كويس جدًا إن العمر مش هو اللي بيحدد قيمة الإنسان.
وإن أسوأ حاجة ممكن تحصل للست مش إنها تخسر فلوسها…
أسوأ حاجة إنها تصدق إن مالهاش قيمة من غير أولادها.
وأنا…
اتعلمت متأخر.
لكن اتعلمت.
من يوم الكارت اللي تمنه 40 جنيه، لحد اليوم اللي ابني عرف فيه إن البيت اللي كان بيطردني منه كان بيتي أنا…
ما كسبتش فلوس وبس.
أنا كسبت نفسي.