مرات ابني
مرات ابني ضحكت وهي بتديني كارت خدش تمنه 40 جنيه في عيد ميلادي ال، وقالتلي بسخرية
أهو يمكن يكسبك أجرة الأوتوبيس!
بعدها بعشر شهور، ابني حط قدامي بروشور دار مسنين وقاللي
إحنا اخترنالك أوضة حلوة هناك.
ما اتخانقتش، ولا حتى زعلت قدامه.
ابتسمت بس.
ولما دخلت أوضتي بالليل، قفلت الباب وطلعت تليفوني واتصلت بمحاميّي.
هم كانوا لسه ما يعرفوش أنا خبّيت إيه من يوم عيد ميلادي.
الهدية الوحيدة اللي خدتها في عيد ميلادي ال كانت كارت خدش تمنه 40 جنيه.
مرات ابني حطته قدام طبقي على السفرة، ولسه استيكر المحل لازق في طرفه، وبعدين ضحكت وقالت
أهو يا حماتي، يمكن تكسبي منه أجرة المواصلات!
ابني، كريم، ضحك هو كمان.
وحتى حفيداتي الاتنين ضحكوا، رغم إنهم أصلًا ما كانوش فاهمين هي بتضحك على إيه.
كنا قاعدين في مطبخ البيت اللي عايشين فيه في المنصورة.
وأنا كنت اللي عاملة تورتة عيد ميلادي بنفسي الصبح.
تورتة فانيليا بسيطة.
مرات ابني، داليا، داقت حتة منها وبصتلي وقالت
مسكرة زيادة عن اللزوم.
ما رديتش.
مسكت عملة معدنية بعشرة جنيه وبدأت أحك الكارت.
رمز ظهر.
وبعده رمز تاني.
وبعده…
نفس الرمز بالظبط.
حسيت كأن قلبي وقف لحظة.
قريت التعليمات.
وبعدين بصيت على الأرقام مرة تانية.
وتأكدت للمرة التالتة.
كريم كان بيصب لنفسه كوباية عصير.
داليا كانت بتحكي عن واحدة معاها في الشغل.
والبنات كانوا لازقين في التابلت بتاعهم.
ولا واحد فيهم كان باصصلي.
طويت الكارت بهدوء وحطيته في جيب الكارديجان.
كريم بصلي وقال
كسبتي حاجة يا أمي؟
ابتسمت وقلت
ولا جنيه… حتى تمن الأوتوبيس ما جاش.
داليا ضحكت تاني.
وأنا قمت لمّيت الأطباق.
في الليلة دي، فهمت إن الست ممكن تخبي ورا وش هادي أسرار لو ظهرت، تغيّر حياة ناس كتير.
اسمي نادية عبدالسلام.
وقبل أربع سنين، جوزي محمود مات بعد جواز دام 46 سنة.
كنت لسه عايشة في بيتنا القديم في دمنهور، البيت اللي قضينا فيه عمرنا كله تقريبًا.
ابني كريم فضل يزن عليّا إني أبيعه وأعيش معاه.
يا أمي، إنتِ مينفعش تفضلي لوحدك. تعالي عيشي معانا.
صدقت ابني.
بعت البيت.
حطيت معظم الفلوس في البنك، ونقلت معاه للمنصورة.
في الأول، كانوا بيتعاملوا معايا كأني ضيفة.
وبعدين واحدة واحدة، الموضوع اتغير.
في البداية كنت بطبخ عشان داليا بترجع متأخر من مكتب المحاماة اللي شغالة فيه.
وبعدها بقيت أنا اللي بغسل المواعين عشان ما تتعبش.
وبعدين التسوق.
وغسيل الهدوم.
ومواعيد البنات.
وتوصيلهم للمدرسة.
ورجوعهم من الدروس.
والقعدة مع السباك.
واستلام الطلبات.
وأي حد محتاج حاجة في البيت كان بينادي
يا ماما نادية!
محدش اداني قائمة بالواجبات.
الموضوع حصل واحدة واحدة.
لحد ما اكتشفت إن يومي كله بقى ماشي على احتياجاتهم…
وولا حد بيسأل أنا محتاجة إيه.
وفي يوم، وأنا بطوي الفوط في الطرقة، سمعت داليا بتتكلم مع كريم.
قالت
أمك بدأت تبقى حمل علينا.
وقفت مكاني.
ما اتحركتش.
كنت مستنية كريم يقول لها
إنتِ بتقولي إيه؟ دي أمي.
أو حتى
دي جزء من بيتنا.
لكن اللي سمعته كان تنهيدة طويلة.
وبعدين قال
أعمل إيه يعني؟ دي أمي.
الكلمتين دول وجعوني أكتر من كلامها.
ما قالش
أنا عايزها هنا.
ما قالش
دي أمي ومش هتكون حمل على حد.
بس قال
أعمل إيه؟
بعدها بيومين، ركبت تاكسي ونزلت وسط البلد.
دخلت مكتب صغير في شارع جانبي، وهناك كان مستنيني الأستاذ سامح رأفت، المحامي اللي كان بيتعامل مع جوزي محمود قبل ما يموت.
طلعت كارت الخدش وحطيته قدامه.
بص عليه.
وبعدين رفع عينه وبصلي.
قال بهدوء
حد يعرف؟
هزيت راسي.
لأ.
سكت شوية، وبعدين قال
يبقى محدش يعرف. ولا كلمة واحدة دلوقتي.
الجايزة كانت…
186 مليون جنيه.
طبعًا بعد الضرائب والإجراءات وطريقة صرف الجايزة، المبلغ النهائي كان هيبقى أقل.
بس حتى بعد كل ده…
كان مبلغ كفاية إنه يغيّر حياة ناس كتير.
وأنا قررت إن حياتهم مش هتتغير.
على الأقل مش دلوقتي.
رجعت البيت وكأني ما حصلش حاجة.
صحيت كل يوم الساعة ستة الصبح.
حضرت الفطار.
جهزت حاجات البنات.
غسلت.
طبخت.
اشتريت طلبات البيت.
واستمريت أسمع داليا وهي بتقوللي أجيب نوع مسحوق غسيل معين، وكأنها بتدي تعليمات لشغالة.
لكن في الوقت اللي هما كانوا فاكرين إني ست عجوز ملهاش غير البيت ده…
كنت أنا والأستاذ سامح بنرتب لحياتي الجديدة في هدوء.
اشتريت شقة صغيرة باسمي.
وحطيت جزء من الفلوس في حسابات مخصصة لمستقبل حفيداتي.
لكن كان عندي مفاجأة أكبر.
بعد كام شهر، صاحب البيت اللي كنا عايشين فيه قال لكريم إنه ناوي يبيع البيت.
كريم كان متضايق جدًا.
الأستاذ سامح بدأ يدور في الموضوع.
وبطريقة قانونية، أسسنا شركة لإدارة الأملاك، وحطينا البيت فيها.
سميناها
ن م القابضة.
نادية ومحمود.
وبقيت أنا المالكة الحقيقية للبيت.
كريم ما سألش مين المالك الجديد.
كل اللي عرفه إن المالك وافق يسيبهم ساكنين بعقد إيجار.
هو شكر الراجل اللي جابله العقد.
وما خطرش في باله يسأل أكتر.
عدت الشهور.
وبعدها…
عدّى عشرة شهور.
لحد ليلة في شهر نوفمبر.
كنا قاعدين على السفرة.
كريم حط الشوكة من إيده وقال
ماما، أنا وداليا اتكلمنا في موضوع.
بصيت له.
داليا كانت مبتسمة.
كريم مد إيده وحط قدامي بروشور لامع.
على الغلاف صورة ست ورجل كبار في السن قاعدين في جنينة شيك.
مكتوب
دار الصفوة للرعاية والإقامة.
بصيت للبروشور.
وبعدين بصيت له.
قال
إحنا رحنا شفناه بنفسنا.
داليا دخلت في الكلام بسرعة
المكان تحفة يا طنط. فيه تمريض 24 ساعة، أنشطة، جنينة، أكل، دكاترة… يعني هتبقي وسط ناس في سنك ومش هتحسي إنك لوحدك.
بصيت لكريم وقلت
رحتوا من غيري؟
ضحك ضحكة صغيرة وقال
كنا عارفين إنك هتدخلي في تفاصيل كتير، فقلنا نوفر عليكي.
وبعدين قال بمنتهى البساطة
دفعنا العربون خلاص.
حسيت بإيدي بردت.
سألته
وإمتى المفروض أروح؟
بص لداليا.
وبعدين قال
يوم 2 يناير.
كان فاضل حوالي ست أسابيع.
لكن لسه ما قالوش السبب الحقيقي.
السبب ظهر بعدها بدقايق.
حفيدي الكبير كان عايز أوضتي اللي في الدور