هربت بفستان حكايات حواء

جبل الهواري بقلم مايا خالد حصري

​’في بيت عمي كنت باكل بكرامتي.. وهنا باكل بـ إذن صاحب البيت، ولا إنتي ليكي رأي تاني يا هنادي هانم؟’
​جبل كان بيسمع وهو بياكل بهدوء، بس عينيه كانت بتراقب الشرارة اللي طالعة بين الاتنين. الحاجة راضية خبطت بـ عصايتها على الأرض وقالت بصوت حازم:
​’بس يا حريم! في وجود الكبير مفيش صوت يعلى.. وأنتي يا قمر، طالما بقيتي واحدة مننا، لازم تعرفي إن السفرة دي ليها أصول.. اللي يغلط يتربي، واللي يحترم نفسه يتشال فوق الراس.’
​وفجأة، دخل واحد من الغفر وهو بيجري، ووشه مخطوف:
​’يا جبل بيه.. المصيبة حصلت! المخزن الكبير اللي فيه المحصول.. النــ,,ـــــار ولعت فيه!’
​جبل قام وقف زي الأسد، وعروق رقبته برزت:
​’كيف ده حصل؟ والحراسة فين؟’
​الغفير نزل راسه في الأرض:
​’الموضوع مكنش صدفة يا بيه.. ده بفعل فاعل، والرجالة شافوا حد من رجالة المنشاوية وهو بيهرب من ورا السور.’
​هنادي صرخت وهي بتبص لقمر بـ اتهام:
​’أدي وش الفقر! من ساعة ما دخلت الدار والخراب جه وراها.. المنشاوية مش هيسيبونا يا جبل طول ما البت دي هنا، بكره يحــ,,ـــــرقوا البيت بمن فيه!’
​جبل محطلهاش اعتبار، لبس شاله وسحب سلاحه وخرج زي الإعصار. قمر كانت واقفة مكانها، حاسة إن كل العيون بتلومها. هنادي قربت منها وهمست بـ غل:
​’شفتي؟ جبل دلوقت هيحــ,,ـــــرق قلبه على شقاه.. وتفتكري لما يرجع، هيفضل باصص لوشك الحلو ده ولا هيشوفك السبب في دمار ماله؟’
​قمر ماردتش عليها، وجريت ورا جبل. لقت الخيول بتتحضر، والرجالة متجمعين. وقفت قدام حصان جبل وقالت بقوة:
​’خدني معاك!’
​جبل بص لها بذهول:
​’أنتي اتجننتي يا بت؟ دي نــ,,ـــــار وحرب!’
​قمر مسكت لجام الحصان وقالت بـ عينين بتلمع بـ تمرد مجنون:
​’لو فضلت هنا، هنادي هتاكلني بـ لسانها.. ولو النــ,,ـــــار دي بسبب أهلي، يبقى أنا أول واحدة لازم تطفّيها.. متسيبنيش هنا يا جبل، السجــ,,ـــــن اللي اخترته هو جنبك، مش ورا الحيطان دي!’
​جبل بصلها بذهول، حس إن الست دي مصنوعة من طينة تانية غير الستات اللي عرفهم. مد إيده ليها بقوة، ورفعها وراه على الحصان وقال لرجالته:
​’وراي يا رجالة! الليلة الصعيد كله هيعرف إن اللي يحــ,,ـــــرق طرف توب الهوارية، جبل هيحــ,,ـــــرقه وهو حي!’
​طاش الحصان بيهم في ضلمة الليل، وقمر كانت ماسكة في ضهر جبل بكل قوتها، حاسة إن حياتها فعلًا بدأت اللحظة دي.. وسط النــ,,ـــــار، والرصاص، والراجل اللي مبيعرفش الرحمة.”
​”وصل جبل بالخيل لساحة المخازن، والنــ,,ـــــار كانت واصلة للسما، وصوت طرقعة الخشب المحروق زي صوت صريخ القلوب. جبل نزل من على الحصان ونزّل قمر وراه، وعينيه كانت بتطلع شرار أشد من النــ,,ـــــار اللي قدامه.
​رجالة الهوارية بدأوا يطوفوا النــ,,ـــــار، لكن فجأة طلع صوت ضحكة خبيثة من ورا دخان الح.ريق.. كان سويلم، عم قمر، واقف ومعاه عشرات الرجالة المسلحين، ومحاصرين المكان من كل جهة.
​سويلم نادى بصوت عالي:
​’قولتلك يا جبل يا هواري.. سلمني البت والمحصول يغور، مارضيتش! أديك خسرت مالك، وهتخسر عمرك كمان الليلة!’
​جبل وقف بـ ثبات مرعب، وسحب قمر ورا ضهره، وهمس لها بصوت واطي ومن غير ما يلتفت:
​’لو حصل لي حاجة، اطلعي على الحصان واجري لبيت “الشيخ سليم”، هو الوحيد اللي هيقدر يحميكي من عمك.’
​قمر مسكت في قميصه من ضهره وقالت بلهجة فيها وجع وتمرد:
​’مش هجري يا جبل.. يا نعيش سوا يا نتــ,,ـحــ,,ـــــرق سوا في نــ,,ـــــارك دي!’
​جبل ابتسم ابتسامة خطيرة، ورفع صوته لسويلم:
​’المال بيتعوض يا سويلم.. لكن الروس اللي هتطير الليلة ملهاش دية! فاكر إن حبة نــ,,ـــــار هتخوف جبل الهواري؟ ده أنا نــ,,ـــــار جحيمي أشد!’
​المعركة بدأت.. الرصاص كان بيمطر زي المطر. جبل كان بيتحرك بخفة غريبة رغم جرح كتفه، وبإيده التانية كان بيسحب قمر وراه من مكان لمكان عشان يحميها. وفجأة، قمر لمت قطعة حديد تقيلة من الأرض وشافت واحد من رجالة عمها بيقرب من ضهر جبل عشان يغدر بيه..
​بكل قوتها، خبطت الراجل على راسه وقعته قبل ما يضغط على الز.ناد. جبل لف وشاف اللي عملته، عينيه اتقابلت مع عينيها في لحظة صمت وسط الدوشة.. نظرة فيها فخر، وعــ,,ـــــشق بدأ يتولد من رحم الم*وت.
​جبل صرخ في رجاله:
​’صفّوهم! مفيش واحد من المنشاوية يطلع حي من أرضي!’
​في لحظة غفلة، سويلم وجه بندقيته ناحية قمر مباشرة وصرخ:
​’لو مش هتكوني ليا ولورثي، مش هتكوني لغيري يا بت الكلب!’
​جبل شاف سويلم وهو بيضغط على الز.ناد.. وبدون تفكير، رمى جسمه كله قدام قمر عشان يفديها. الرصاصة استقرت في ص.در جبل، ووقع على الأرض وهو ماسك إيد قمر.
​قمر صرخت صرخة هزت الجبل:
​’جبلللللللللل!’
​في اللحظة دي، رجالة جبل فقدوا عقلهم وهجموا على سويلم ورجالته زي الوحوش، وقدروا يسيطروا عليهم. قمر وقعت على ركبها، وحطت راس جبل على حجرها، والدم كان بيغرق فستانها الأبيض للمرة التانية، بس المرة دي دم أغلى إنسان في حياتها.
​جبل بص لها وهو بينهج، ورفع إيده بضعف ولمس وشها وقال بصوت متقطع:
​’طلعتي.. فعلاً.. تعب تعبان يا قمر.. بس تعبك.. حلو..’
​قمر وهي بتعيط ومنهارة:
​’متم*وتش وتسبني ليهم يا جبل! أنت قولت مفيش خروج من دارك إلا على القــ,,ـــــبر.. يبقى نم*وت سوا!’
​جبل غمض عينيه، وإيده وقعت من على وشها. وفي نفس اللحظة، وصلت ‘الحاجة راضية’ ومعاها ‘هنادي’ اللي كانت بتصوت وتلطم لما شافت جبل غرقان في دمه.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *