، والجو كان مشحون من لحظة ما رمى الالف جنيه على الترابيزة وقال بثقة مستفزة: «الست الشاطرة تعمر بيتها وتأكل جوزها بمصروف إيدها.. 1500 جنيه في الشهر، وعايز لحمة كل يوم. القط بياكل، والتلاجة بتصحي الصدى من كتر ما هي فاضية!» ساعتها كنت بظبط لبسي قدام مراية الصالة وهو واقف يتكلم بأسلوب محلات العربيات العالية. من يوم ما اترقى وبقى مدير مبيعات في شركة سيراميك واستيراد أرضيات، وهو بيكلمني كأنه نجم في إعلان عربية أحدث موديل. قلتله وأنا بحاول أتمالك نفسي: «أمك زمان كانت مربية الفراخ فوق سطح البيت في القليوبية، وعندها الغيط والخير والدقيق من عند قرايبها.. إحنا عايشين في القاهرة يا طارق! هنا كيلو اللحمة بلحمه ودمه بياكل نص المصروف اللي إنت حاطه!» ضحك ضحكة ناشفة ورخمة: «عشان كده عمرنا ما بنطلع لقدام، طول عمرك بتدور على حجج. أنا عليا إيجار الشقة والفواتير الكبيرة، وانتِ عليكي الأكل والمصاريف الصغيرة.. اتعلمي تدبري زي الستات الأصيلة.» الكلام كان بيجرح وينغز في قلبي، بس ما صرختش. بصيت للفلوس ووسطت الكلام: «عايز تاكل إيه الأسبوع ده؟» رد وهو بيبخ البرفان ويلمع جزمته الجلد: «لحمة، طبيخ، شوربة حلوة.. أكل ينرم العضم. أنا بطحن طول النهار في الشغل وعايز أرجع ألاقي أكل ملوك. ومش هديكي جنيه زيادة، وريني شطارتك بقى.» ودب الباب ومشي. أنا بشتغل موظفة في دار الكتب بالقومية، مرتي على قدي، بس من صغري بعرف ألف القرش وأخليه يتكلم. طول عمرنا بنحط القرش على القرش عشان نمشي المركب، لحد ما طارق قرر فجأة إن مرتبه ده بتاعه لوحده، وإن الصبر بتاعي ملكه هو كمان. نزلت السوق ، جبت رز، عدس، بطاطس، بيض، عيش، بصل، وطماطم، وجمعت معاهم أكل لـ "مشمش" قطنا المشمشي. الحساب طلع بتاع 438 جنيه. لما شاف الفاتورة الصبح، ابتسم بسخرية: «صارفة ده كله على الشوية دول؟» بليل عملت شوربة بطاطس بالشعرية، سخنة ومحترمة. حط المعلقة، وبص للمغرفة ورمى الطبق قدامي: «فين اللحمة؟» — «الميزانية متجيبش.» — «دوري على العروض!» — «العروض مش هتقلب الألف ونص لستة ألاف جنيه يا طارق!» أكل وهو بيندب حظه، وقام فتح التلاجة، أكل حتة الجبنة القريش الأخيرة وهو واقف قدامي من غير حتى ما يقولي تعالي كلي. الأيام اللي بعدها مشيت على هواه بالضبط. رز وعدس، مكرونة بالطماطم، بطاطس محمرة مع بيض. أنا كنت باكل في بوفيه دار الكتب -أكل الموظفين رخيص ومقبول- وهو يرجع البيت ريحته كباب، أو حواوشي مخصوص، وجاي شبعان، ولا عمره فكر يجيب معاه لقمة للشقة. يوم السبت الصبح، وأنا بفرز الغسيل وبفتش في جيوب بدلة السهرة الكحلي اللي ما بيلبسهاش كتير، لقيت ورقة مطوية ورقة طباعة تقيلة. افتكرتها فاتورة بنزين ولا صيانة سريعة. بس لما قريتها ركبي خبطت في بعضها. كانت فاتورة مبيعات من مركز صيانة وتعديل عربيات : جنوط سبور عريضة، كاوتشات استيراد عالية الأداء، وتعديل شكمان وشبكة كروم. المبلغ الإجمالي: 740,000 جنيه. قعدت على طرف السرير والورقة بتترعش في إيدي. إحنا مش في أزمة، ولا فيه ظروف، ولا الجمعيات هي اللي خنقتنا.. طارق كان بيجوعني وبيجبرني أطبخ الفقر، عشان يروح يتباهى بعربيته قدام زمايله في الشركة! وقبل ما استوعب الصدمة، بصيت تحت في أخر الفاتورة، لقيت مكتوب بخط الإيد: «تم دفع العربون بتحويل بانكي من السيدة: ثريا عبد الحليم (والدة العميل): 800,000 جنيه». حماتي.. الحجة ثريا! اللي جاية تتعشى عندنا يوم الخميس! ما لحقتش أستوعب صدى الخبطة على الباب، ولا حتى النظرة اللي كانت هتموت طارق في مكانه، وزقيت أنا الباب وفتحت. كان واقف بره اتنين بربطات عنق وشكلهم يقطع الخلف، معاهم محضر من المحكمة وبوسترات إنذار بالتنفيذ. الراجل ما استناش، دخل كلمتين في العضل: «الأستاذ طارق إبراهيم؟ حضرتك متهرب من سداد أقساط قرض شخصي بقيمة مليون وميت ألف جنيه، وعندنا أمر بالحجز التحفظي على أي ممتلكات أو أصول باسمك!» حماتي الحجة ثريا قعدت على أقرب كرسي وهي بتشهق، حاطة إيدها على قلبها والدموع محبوسة في عينها: «الألفات اللي أخدتها مني وتقولي هحطها في مشروع مضاعف للعملية يا طارق؟ رايح تشتري بيها جنوط وعربيات كرتون وأنا ركبي متدمرة ومش عارفة أمشي؟! ورامي مراتك تاكل العضم والرؤوس عشان تداري خيبتك؟» طارق كان وشه أصفر زي الليمونة المخللة، بيتلعثم وبيحاول يزق المحضر بره الشقة: «يا فندم فيه غلط! أنا مدير مبيعات، أنا بظبط أموري، استنوا للصبح بس!» بصيتله بمنتهى البرود، مشيت ناحية الأوضة وجبت شنطة هدومي اللي كنت مجهزاه من الصبح، وحطيت فيها بطاقتي، وورق شغلي، ومشمش القط في الشنطة بتاعته. قربت منه وحطيت الباقي من الألف ونص —3 جنيه فضة— على الترابيزة جنب العظمة الفاضية. — «أنا ماشية يا طارق. الشقة دي باسمك، والفواتير باسمك، والديون دي بتاعتك لوحدك. أنا مرتي من دار الكتب يكفيني أأجر بيه أوضة وصالة وأعيش ملكة بأكلي وكرمتي، بدل ما أكون جارية في سيناريو الفشر بتاعك.» — «إنتِ هتهربي وتسيبيني في زنقة زي دي؟! هو ده أصلك؟» صرخ وهو بيحاول يمسك إيدي. ردت عليه أمه بصوت يرعب، وهي بتقوم بالعافية وبتشاور عليه بعكازها: «أصلها شريف يا ابن بطني! سيبها تغسل إيدها منك.. إنت اللي عملت في نفسك كده، والنهارده مش هترحم منك، الفلوس اللي أخدتها مني هترجعلي بالقانون قبل ما الصبح يطلع!» طلعت من الباب ورزعت الخبطة الأخيره، وسيبت ورايا أصوات المحضر وهو بيكتب المحظر، وصريخ أمه، وطارق وهو بيحاول يشرح للدنيا كلها إزاي المدير الكبير مش عارف يدفع ثمن عشا محترم في بيته. نزلت الشارع، أخدت نفس عميق لأول مرة من سنين، وركبت التاكسي وأنا متأكدة إن الجوع في عز النفس الأبية.. أرحم مليون مرة من شبعة كدابة على حساب كرامتي. أول ما نزلت الشارع، كانت ورشة الحاج حسين الميكانيكي تحت العميرة لسه فاتحة. أول ما شاف الشنطة في إيدي والقط مشمش بيماوي في قفصه، وقف وقال بصوت مسموع: «خير يا أستاذة إلهام؟ فيه حاجة فوق ولا إيه؟ الأصوات فوق كانت جايبة آخر الشارع!» رديت عليه بابتسامة هادية ونفس مرتاح: «مافيش يا حاج حسين.. كل واحد بيرجع لمكانه الطبيعي. عن إذنك.» ركبت التاكسي وطلبت منه يوديني عند أختي في شبرا. طول السكة، التليفون ما بطلش زن. طارق بيتصل كل دقيقة، وبعدها حماتي، وبعدها أرقام غريبة واضح إنها من صحابه في الشركة أو زمايله. عملت تليفوني "صامت" وحطيت رأسي على إزاز العربية. كنت حاسة إن فيه جبل انشال من على صدري. ثاني يوم الصبح في دار الكتب بالقومية، نزلت شغلي في موعدي بالظبط. زمايلي لاحظوا إن وشي منور ومفيش أثر للتعب اللي كان باين عليا الأسبوعين اللي فاتوا. قعدت على مكتبي بين ريحة الورق القديم والأرشيف اللي بعشقه، وبدأت أصلح مسار حياتي. على الساعة 12 الضهر، لقيت الأمن بتاع المبنى بيكلمني في التليفون الداخلي: «يا أستاذة إلهام، فيه واحد بره اسمه طارق إبراهيم مصمم يدخل، وشكله مبهدل وعامل دوشة عند البوابة.» قلت للأمن بصلابة: «ممنوع يدخل يا عم محمد. لو مشي بالذوق خير وبركة، لو عمل دوشة اطلبوا له شرطة المرافق فوراً.» خرجت أشوفه من الشباك. كان واقف في الشمس، البدلة الكحلي شيك بس متكرمشة، شعره منكوش، وشه باين عليه قلة النوم. مش هو ده "مدير المبيعات" اللي كان بيبخ البرفان ويتشرط على كيلو اللحمة! لما عرف إن مفيش أمل يدخل، مشي وهو بيجر رجليه. بعد أسبوعين بالتمام، عرفت الأخبار كلها من جارتنا أم أحمد اللي اتصلت تطمن عليا: * السيارة والجنوط: محامي الحجة ثريا -أمه- عمل عليه قضية تبديد وتبديد أموال بالقوة، واسترد الفلوس اللي أخدها منها عن طريق حجز تحفظي على العربية اللي لسه جيبها بالجنوط السبور والتعديلات، واتباعت في مزاد عشان تسدد جزء من ديونها وديون البنك. * الشغل: شركة السيراميك والاستيراد عرفت بموضوع إنذارات الحجز والقضايا اللي نازلة على اسمه، وبما إنه مدير مبيعات وسمعة الشركة من سمعته، عملوا معاه تحقيق داخلي وأنهوا خدماته بسبب خيانة الأمانة مع الموردين. * الشقة: البنك حجز على شقة التجمع اللي كان فاكر إنه هيمتلكها، ورجع يعيش في أوضة وصالة بالإيجار القديم في بيت أمه في القليوبية، بنفس المصروف اللي كان عايزني أعيش بيه! بعد 3 شهور، تم طلاقي رسمياً في المحكمة. أخدت مؤخري وباقي حقوقي بالقانون. أجرت شقة صغيرة مشمسة في المعادي، بلكونتها بتبل على شجر حقيقي، وحطيت فيها سريري ومكتبي وشجرة نعناع صغيرة. مشمش القط بقى يقعد في البلكونة ينام في الشمس، والتلاجة بقى فيها خير ربنا اللي يكفيني ويزيد، مدفوع من عرقي ومن قرشي الحلال اللي محدش يذلني بيه. في أخر يوم في قضايا النفقة والطلاق، وقف طارق قدام باب المحكمة، بيبصلي بنظرة انكسار ورجاء، وقالي بصوت واطي: «للدرجادي يا إلهام؟ عشان ألف ونص جنيه تدمري بيتنا وتفضحيني قدام أمي والغرباء؟» قربت منه، وبصيت في عينه بكل ثبات وقبل ما أمسك أكرة الباب عشان أمشي، قلتله: «أنا مدمجتش بيتك يا طارق.. إنت اللي بعت بيتك وكرامتك وأمك عشان منظرة كدابة. الألف ونص ما كانتش حق الأكل.. الألف ونص كانت ثمن كرامتي اللي افتكرت إنك تقدر تشتريها. والنهارده، أنا اللي بقفلك الحساب.» سبته واقف في الممر الفاضي، وخرجت للنور، وأنا عارفة إن اللقمة الهنية بثبات النفس.. تسوى الدنيا وما فيها.