الست الذاكره حكايات محمد كمال
، والجو كان مشحون من لحظة ما رمى الالف جنيه على الترابيزة وقال بثقة مستفزة: «الست الشاطرة تعمر بيتها وتأكل جوزها بمصروف إيدها.. 1500 جنيه في الشهر، وعايز لحمة كل يوم. القط بياكل، والتلاجة بتصحي الصدى من كتر ما هي فاضية!»
ساعتها كنت بظبط لبسي قدام مراية الصالة وهو واقف يتكلم بأسلوب محلات العربيات العالية. من يوم ما اترقى وبقى مدير مبيعات في شركة سيراميك واستيراد أرضيات، وهو بيكلمني كأنه نجم في إعلان عربية أحدث موديل.
قلتله وأنا بحاول أتمالك نفسي: «أمك زمان كانت مربية الفراخ فوق سطح البيت في القليوبية، وعندها الغيط والخير والدقيق من عند قرايبها.. إحنا عايشين في القاهرة يا طارق! هنا كيلو اللحمة بلحمه ودمه بياكل نص المصروف اللي إنت حاطه!»
ضحك ضحكة ناشفة ورخمة: «عشان كده عمرنا ما بنطلع لقدام، طول عمرك بتدور على حجج. أنا عليا إيجار الشقة والفواتير الكبيرة، وانتِ عليكي الأكل والمصاريف الصغيرة.. اتعلمي تدبري زي الستات الأصيلة.»
الكلام كان بيجرح وينغز في قلبي، بس ما صرختش. بصيت للفلوس ووسطت الكلام: «عايز تاكل إيه الأسبوع ده؟»
رد وهو بيبخ البرفان ويلمع جزمته الجلد: «لحمة، طبيخ، شوربة حلوة.. أكل ينرم العضم. أنا بطحن طول النهار في الشغل وعايز أرجع ألاقي أكل ملوك. ومش هديكي جنيه زيادة، وريني شطارتك بقى.»
ودب الباب ومشي.
أنا بشتغل موظفة في دار الكتب بالقومية، مرتي على قدي، بس من صغري بعرف ألف القرش وأخليه يتكلم. طول عمرنا بنحط القرش على القرش عشان نمشي المركب، لحد ما طارق قرر فجأة إن مرتبه ده بتاعه لوحده، وإن الصبر بتاعي ملكه هو كمان.
نزلت السوق ، جبت رز، عدس، بطاطس، بيض، عيش، بصل، وطماطم، وجمعت معاهم أكل لـ “مشمش” قطنا المشمشي. الحساب طلع بتاع 438 جنيه.
لما شاف الفاتورة الصبح، ابتسم بسخرية: «صارفة ده كله على الشوية دول؟»
بليل عملت شوربة بطاطس بالشعرية، سخنة ومحترمة. حط المعلقة، وبص للمغرفة ورمى الطبق قدامي: «فين اللحمة؟»
— «الميزانية متجيبش.»
— «دوري على العروض!»
— «العروض مش هتقلب الألف ونص لستة ألاف جنيه يا طارق!»
أكل وهو بيندب حظه، وقام فتح التلاجة، أكل حتة الجبنة القريش الأخيرة وهو واقف قدامي من غير حتى ما يقولي تعالي كلي.