اليوم الذي اعلن
— “كان صادقاً بالنسبة لي أنا فقط،” أجبته وأنا أغلق الحافظة: “اجمع متعلقاتك الشخصية من مكتبي وقسمي قبل نهاية اليوم… انتهى كل شيء.”
تجاوزته ومضيتُ دون أن ألتفت.
خلال ساعات، انتشر الخبر في أروقة المستشفى كالنار في الهشيم: الطبيبة البسيطة “ريم” هي في الحقيقة الابنة الوحيدة لـ “آل جاسم”، والماركة التي حاول البعض تقزيمها أصبحت المالك الحقيقي للمستشفى.
لكن خطوتي الأولى لم تكن الانتقام أو طرد عادل؛ فذلك كان سيبدو كصرف للأمور بنوع من التشفى الشخصي.
بدلاً من ذلك، أمرتُ بفتح تدقيق شامل ومستقل لجميع التعيينات، الترقيات، والمناقصات خلال السنوات السبع الماضية.
ولم تلبث التجاوزات أن طفت على السطح؛ وتبين أن والد شهد استغل منصبه في تحويل دعم طبي لمشاريع خاصة، بينما أظهرت التحقيقات أن عادل سامح بتجاوز كفاءات جراحية أعلى منه ليضمن ترقيته، وأن المواعيد التي كان يتحجج بها للغياب لم تكن سوى اجتماعات وترتيبات للمصالح الشخصية.
بعد يومين، دخل عادل إلى مكتبي. لم يكن يرتدي معطفه الأبيض؛ فقد أوقفته لجنة التحقيق عن العمل مؤقتاً.
— “هل ستدمرين مستقبلي المهني بالكامل؟” سأل بنبرة خافتة.
واصلتُ مراجعة التقارير دون أن أرفع بصري: “قراراتك وإدارتك هي من تدمر مستقبلك، وما يفعله التدقيق هو توثيق الحقيقة فقط.”
— “أنا لم أؤذِ مريضاً يوماً!”
— “هذا ما ستحدده لجنة الأخلاقيات والممارسة الطبية.”
أغلق الباب واقترب: “سأقدم استقالتي من الإدارة، وسأنهي أي تواصل مع شهد وعائلتها… دعنا ننتقل إلى مدينة أخرى ونبدأ من جديد حيث لا يعرفنا أحد.”
نظرتُ إليه بذهول: “هل تعتقد حقاً أن المشكلة كانت في الأشخاص أو المكان؟”
— “المشكلة كانت في طموحي الزائف…”
— “لا، المشكلة أنك ادعيتَ حبي بينما كنتَ تعتقد أنني ضعيفة لا أملك القدرة على فرض احترامي عليك. لو كنتَ تعلم من أكون منذ اليوم الأول، لما تجرأتَ على المماطلة، ولقدمتني لعائلتك وافتخرت بي أمام الجميع. لكنني أردتُ أن أعرف معدنك الحقيقي حين تظن أنني لا أملك شيئاً أقدمه لك.”
أغمض عينيه وقال بألم: “لقد خذلتُكِ…”
— “نعم، خذلتني.”
لم تكن هناك صرخات، ولا دراما متكلفة. بعض الخيبات لا تحتاج إلى ضجيج، بل تحتاج فقط إلى بابٍ يُغلق بأدب.