لو تيته

لو تيتة حاولت تديني الشربات ده تاني.. مش هبلعه يا بابا.
ابني اللي عنده خمس سنين كان باصصلي والدموع مالية عينيه.
بس هي بتجبرني يا بابا.. بتخليني أبلعه ڠصب عني.
في اللحظة دي بس، فهمت إن ابني ما كانش بيبكي ويتعفرت دايماً عشان يدلع.. ده كان بيحاول يحذرني ويستنجد بيا!
أنا ومراتي بنعيش مع ابننا أدم في شقة بسيطة في المعادي. أنا شغال أخصائي نظم معلومات في مكتبة، ومراتي رانيا مهندسة في شركة قطاع خاص.
من برة، كنا يبان لينا عيلة طبيعية جداً.. بنسدد فواتيرنا، بناكل سوا، وبنتفرج على التلفزيون في سهرة الجمعة.. كنا فاكرين إننا عايشين في أمان، بس المشكلة الكبيرة كانت في أمي أنا.. الحاجة كريمة.
أمي ساكنة في العمارة اللي قصادنا، واشتغلت أكتر من تلاتين سنة مساعدة صيدلي.. الخبرة دي خلت عندها إيمان تام إنها هي المرجع الأول والأخير لأي صداع، أو سخونية، أو مغص، أو أي تعب!
كانت دايماً تقولي الدكاترة دول مش فاهمين حاجة، أنا اللي عارفة الدوا الصح.
كل يوم حد، كانت أمي بتستنانا عندها على الغدا.. ما كانتش بتعزمنا، كانت بتأمرنا.
بقالي شهور ملاحظ إن أدم بيتغير كلياً لما يوم الحد يقرب.. يوم السبت بالليل يفضل ساكت، يبطل لعب، ما يرضاش ياكل، وييجي ينام في حضڼي وهو خاېف.
هو إحنا لازم نروح عند تيتة بكرة؟ همسلي في ليلة.
ده غدا بس يا حبيبي، ساعة وراجعين.
أنا مش عايز أروح خالص.
كنت فاكر إنه بيزهق هناك، لأن أمي ما عندهاش لعب وماتحبش الدوشة، وكانت بتتعامل مع طفل عنده خمس سنين كأنه راجل كبار لازم يخلص أطباقه كلها.
حد ما في ليلة، أدم نطق بالحقيقة تيتة بتديني دوا مر.
قعدت جنبه، وقلبي بدأ يدق بسرعة دوا إيه ده يا أدم؟
اللي في الإزازه البني.
بطني اتعصرت من الخۏف.. أمي عندها إزازه زجاج غامقة في دلفة المطبخ، من غير أي تكت ولا اسم دوا ولا جرعات. كانت بتقول عليه شربات فتح شهية وعاملاه في البيت من عسل وأعشاب، وتقول دايماً ده أمان جداً، بيخلي العيال الرفيعة تاكل!
أنا دُقت منه نقطة زمان، ما كانش طعمه عسل خالص.. كان طعمه مر وفيه ريحة كيميا، كأن فيه حبوب مطحونة!
في يوم الحد ده، قررت إن مش هسكت.
بعد الغدا، أمي وقفت ومدت إيدها ل أدم تعالى يا حبيبي، ميعاد الفيتامين بتاعك.
أدم اتسمر مكانه.. الشوكة وقعت من إيده على الطبق.
أمي مسكت إيده بصرامة يلا بلاش دلع!
مشيت وراهم المطبخ.. فتحت الدلفة وطلعت الإزازة البني، وصبت السائل المر في معلقة معدن.
أدم رجع بضهره لحد ما خبط في التلاجة مش عايز!
ده عشان صحتك يا حبيبي.
لأ!
أمي قربت منه افتح بقك يلا.
أدم بصلي واستنجد بيا بابا…
وقفت بينهم يا أمي، هو إيه اللي جوة الإزازة دي بالضبط؟
نزلت المعلقة وبصتلي بضيق إحنا مش اتكلمنا في الموضوع ده قبل كده؟
لأ، أنتِ بتتجاهليني! أنا عايز أعرف المكونات بالظبط، الولد بيشتكي من مغص بقاله شهور!
مراتي رانيا دخلت المطبخ ورايا، وقالت بصوت هادي بس مشدود يا طنط، الدكتور بتاعه ما قالش إنه محتاج فتح شهية.
أمي ضحكت بتهكم الدكاترة مش فاهمين حاجة.. بصوا لولادكم، جلد على عظم!
مسكت الإزازة منها وشميتها.. ولأول مرة، الخۏف حسيته بجد.. أمي، الإزازة دي ليه مالهاش اسم؟
عشان أنا اللي خلطاها بنفسي! هو أنت هتفهم أكتر مني في الأدوية؟
حطيت الإزازة في الدلفة وقلت مش هيدوق منها نقطة تاني لحد ما نعرف فيها إيه.
روّحنا البيت والسكوت مالي المكان.. وعلى الساعة سبعة بالليل، أدم بدأ يمسك بطنه ويبكي.
على الساعة عشره، وشه بقى أصفر ومبلول عرق، وقالي إن دماغه بتلف بيه.. المشكلة إن الحركة دي كانت بتحصل قبل كده وكان بينام ويصحى كويس، فقلت لنفسي بلاش بنك.. أمي بقالها عمر في الصيدليات وأكيد مش هتيجي في حفيدها وتأذيه!
بس على الساعة 117 صباحاً.. صحيت على صوت خنقة مرعبة!
جريت على أوضة أدم.. كان مقلوب على جنبه وبيراجع على المخدة، جسمه كله بيتراعد ونَفَسه طالع بالعافية ومخنوع!
رانياااا!
شلت أدم في حضڼي.. عينيه كانت بتقلب لفوق ومش قادر يركز معايا.. اتصلنا بالأسعاف بسرعة وجرينا على الطوارئ.
الدكاترة والممرضين اتلموا حواليه في المستشفى.. ركبوا له المحاليل ووصلوا الأجهزة على صدره، والأسئلة نازلة علينا زي المطر
أكل حاجة غريبة؟ بلع منظفات؟ فيه أدوية جدول أو مخدرة في البيت؟
كنا بنجاوب ب لأ على كل حاجة!
لحد ما دخلت دكتورة ووشها ما يبشرش بالخير أبداً.. قفلت الستارة وراها وقالت بصوت واطي
يا أستاذ.. لازم تفكر كويس جداً قبل ما تجاوبني.
إيدي كانت بترجف خير يا دكتورة؟
أدم بياخد أي أدوية شرب أو نقط أو حبوب مطحونة في البيت؟ حاجة حد قالكم إنها طبيعية؟
صورة الإزازة البني نطت في دماغي.. أمي والمعلقة.. وصوت أدم وهو بيبكي ويترجاني ما اوديهوش هناك!
فيه شربات أمي بتبديهوله… همست بيها.
الدكتورة لفت للممرضة فوراً اعملي تحليل سمۏم كامل فوراً!
مراتي بصتلي بذهول أنت بتقول إيه؟!
بعد ساعتين.. رجعت الدكتورة ومعاها نتيجة التحاليل، قعدت قصادنا وما نطقتش في الأول.. وبعدين حطت التقرير على الطاولة
إحنا لقينا مادة مخدرة ومدرجة في الجدول الأول في ډم ابنكم.. بجرعة كانت ممكن تقفِش نَفَسه وتوقف قلبه في أي لحظة!
الډم هرب من جسمي.. ما بقيتش حاسس بإيديا.
بس الجزء المرعب ما كانش اسم المادة.. المرعب كان الجملة اللي الدكتورة قالتها بعد كده
الجرعة دي مش غلطة ولا بياخدها بالصدفة.. الولد بياخد المادة دي بانتظام وبشكل متكرر بقاله شهور!
وفجأة.. فهمت ليه أدم كان بيبكي قبل كل زيارة لأمي.. وفهمت كمان إن الشربات السحري بتاع أمي، ما كانش السر الوحيد اللي عيلتي مخبياه عني وعن مراتي!
الدكتورة رانيا سابت التقرير قدامي، وقامت بهدوء وقبل ما تخرج قالت جملة فضلت ترن في ودني.
لازم تبلغوا الشرطة.
دي مش قضية علاج غلط.
دي قضية تعريض طفل للخطړ.
أول ما الباب اتقفل، رانيا مسكت دراعي بقوة.
إحنا لازم نروح دلوقتي.
أنا كنت تايه.
أمي…
أمي هي اللي كانت بتديهوله.
إزاي أبلغ عن أمي؟
رانيا بصتلي بدموع.
وأدم؟
لو عاش…
هتسيبه يرجعلها تاني؟
الكلمة دي فوقتني.
بصيت من الإزاز على أوضة الرعاية.
ابني الصغير متوصل بأجهزة أكتر من حجم جسمه.
وأنبوبة أكسجين طالعة من مناخيره.
والممرضات داخلين خارجين حواليه.
وساعتها…
حسيت لأول مرة إن اللي نايم جوة ده…
كان ممكن يروح مني للأبد.
وفي اللحظة دي…
قررت.
بعد أقل من نص ساعة…
اتنين من رجال المباحث دخلوا المستشفى.
واحد منهم كان مقدم اسمه شريف.
سمع مني كل كلمة.
من أول ما أدم قال إن تيتة بتجبره يشرب.
لحد نتيجة التحاليل.
وبعدين سألني.
الإزازة فين؟
اتجمدت.
الإزازة…
لسه عند أمي.
المقدم قام وقف.
يبقى لازم نتحرك قبل ما تختفي.
وصلنا العمارة.
كانت الساعة داخلة على الفجر.
نور شقة أمي كان لسه منور.
المقدم خبط على الباب.
بعد دقيقة…
فتحت.
أول ما شافتني…
قالت باستغراب.
خير؟
إيه اللي رجعكم؟
بصيت في عينيها.
وقلت.
فين الإزازة البني؟
وشها اتغير للحظة…
لكن بسرعة رجعت هادية.
إزازة ايه؟
المقدم طلع كارنيه الشرطة.
إحنا محتاجين نفتش الشقة.
أمي شهقت.
شرطة؟
ليه يعني؟
أنا عملت ايه؟
المقدم رد بهدوء.
حفيدك في الرعاية المركزة.
وتحاليله أثبتت وجود مادة مخدرة في جسمه.
ولازم نعرف مصدرها.
أمي بصتلي پصدمة.
وبعدين قالت بعصبية.
مخدرة؟
إنت مصدق الكلام الفارغ ده؟
ده شربات أعشاب!
أنا بصيت حواليها.
الدلفة.
لازم الإزازة تكون فيها.
جريت عليها.
فتحتها.
كانت فاضية.
قلبي وقع.
لفيت بسرعة.
الإزازة فين يا أمي؟
قالت وهي بترفع كتفها.
رميتها.
إمتى؟
من شوية.
ليه؟
عشان خلاص خلصت.
المقدم شريف قرب منها خطوة.
وقال.
الغريب إن ابنك بيقول إنه شافها هنا

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *