اطلعي بره روايات نرمين عادل
أما حميدة المفترية.. الزمان دار دورته الحقيقية، ورجعت تعيش في شقة قديمة في حارة مكركبة ، نفس المستوى اللي كانت بتحتقره وتتبطر عليه وبتعيرني بيه يوم ما دخلت بيتها!
وفي يوم.. جت وقفت قدام بوابات الفيلا . أمن البوابة اتصل بي في التليفون الداخلي:
— يا هانم.. في ست عجوزة واقفة بره وبتعيط وعايزة تقابلك ضروري.
نزلت ووقفت على عتبة الباب.. كانت واقفة مكسورة، ظهرها منحني، عينها محفورة بالدموع، ومش هي خالص الست اللي كانت بتبص لي بفوقية وتصرخ في وشي “يا شحاتة”!
قالت بصوت ضعيف ومبحوح وهي بتمسك في أطراف شالها:
— سامحيني يا رحمة يا بنتي.. أنا كبرت وزماني جار عليا، وهشام اتدمر وشغله راح وقاعد جنب مني مكسور.. سامحيني عشان ربنا يفكها علينا!
بصيت لها شوية، وهوا الحديقة بيلعب في شالي، وبصوت هادي وأبرد من التلج رديت عليها:
— أنا سامحت نفسي يا حميدة.. سامحت نفسي إني سكت لكم كل ده وإني سمحت لأمثالكم يلمسوا كرامتي، وده كفاية أوي عليّ.
لفت ضهري ورجعت دخلت جوه القصر، من غير ما أستنى منها كلمة واحدة ثانية، وسيبتها واقفة في حسرتها قدام البوابة المقفولة.
الأيام عدت وكرت بسرعة.. والبيت بقى فعلاً بيت، مش مسرح لمؤامراتهم، ولا ساحة حرب ونكد. بقى مكان آمن مليان دفا ورائحة بخور هادية. ولادي كبروا قدام عيني، ضحكهم رجع يرن في الصالة الفسيحة، وصوت لعبهم بقى مالي المكان بدل العياط والخوف من صوت رزعة الباب.
رجعت لشغلي وشركاتي بس المرة دي من غير ما أخبي نفسي ولا أعمل فيها الغلبانة الساكتة.. رجعت باسمي، بقوتي، بقراراتي اللي بتهز السوق والمقاولات.
وفي يوم.. كنت قاعدة في مكتبي الفاخر في الدور الأخير، وببص من الزجاج العريض على كل حاجة وصلت لها بفضل ربنا وقوتي. افتكرت الليلة دي.. ليلة الشتاء والبرد القارص اللي وقفت فيها في الشارع، شايلة ولادي ومطرودة من بيتي بقلة قيمة.
ابتسمت ابتسامة رضا صافية، وقلت لنفسي:
— دي كانت أحسن حاجة حصلت لي في حياتي.. لأنها كشفت كل النفوس المريضة، وخلتني أرجع لنفسي وأعرف أنا مين بجد!
مشيت ناحية الشباك، والشمس كانت داخلة بهدوء بتدفّي المكتب. رفعت تليفوني وبعت رسالة واحدة للمستشار عوض: “اقفل كل الملفات والقضايا القديمة.. وشطب أسمائهم من حياتنا تماماً.”