فلوسك بقلم محمد عبده
الجزء الأول
بما إنك بكرة هتبقي زوجة ابني، فلوسك كمان هتبقى فلوس العيلة.
قالت حماتي المستقبلية، الحاجة سعاد، الجملة وهي تبتسم، وكأنها بتتكلم عن الجو. ابتسمت أنا كمان من باب الذوق، لكن حاجة جوايا اتشدت. كان باقي عشرة أيام على فرحي من ياسين، ومكنتش عايزة أحول جملة مستفزة من حماتي المستقبلية لمشكلة كبيرة.
اسمي نورهان، كان عندي اثنين وثلاثين سنة، وكنت بقالي أربع سنين بوفر علشان اليوم ده. كنت شغالة في الإدارة بإحدى الشركات في القاهرة الجديدة. بينما صديقاتي كانوا بيسافروا ويغيروا موبايلاتهم، كنت أنا بحوش جزء من كل مرتب في حساب خاص ومبلمسوش.
والدي، حسن، كان دايمًا بيقول لي إنه هيعمل لي فرح زي الأفلام، لكني كنت عارفة إنه علشان يحقق ده كان ممكن يستلف أو يبيع قطعة أرض صغيرة في المنوفية ورثها عن جدي.
وأنا مكنتش عايزة ده يحصل.
علشان كده أنا اللي دفعت تكاليف قاعة الأفراح، والزهور، والمصور، والفستان، والبوفيه. اخترت قائمة أكل فاخرة فيها سمك مشوي، شوربة كريمة، لحوم، أطباق جانبية، حلويات مخصوصة ومشروبات متنوعة.
بالنسبة ل مئتي شخص، كانت التكلفة ضخمة، لكنها كانت فلوسي، وأنا بقالي سنين بستعد لليوم ده.
ياسين كان باين إنه فاهم ده.
خمس سنين مع بعض، كان خلالها الراجل الهادئ اللي بيجيب لي العشاء لما أكون مضطرة أقعد لساعات إضافية في الشغل، وعمره ما رفع صوته عليّ أثناء أي خلاف.
والدي كان واثق فيه لدرجة إنه قال لي مرة
مع الشاب ده، أنا مطمن عليكِ.
الشخص الوحيد اللي بدأ يقلقني مع الوقت كانت سعاد.
في البداية سألتني عن مرتبي.
بعدها بدأت تسألني عن المبلغ اللي وفرته.
وبعدين بدأت تنتقد تكلفة الفرح.
قالت وهي بتضحك
الناس جاية تشوفكم بتتجوزوا، مش جاية تاكل أكل الملوك!
ياسين وقتها بص في الأرض.
وبعدها لما كنا لوحدنا،
قال لي
أمي بس عايزة تساعد.
قبل الفرح بثلاثة أيام، رحت لشقتها من غير ما أبلغها.
كانت الباب موارب، وسمعت صوت سعاد من الممر.
الفلوس دي ممكن نستخدمها في مقدم شقة، أو نساعد بيها أخوك.
رد ياسين
بس دي فلوس نورهان.
قالت والدته
دلوقتي آه. لكن لما تتجوزك، هتبقى فلوسكم. وإنت ابني في الآخر.
دخلت وأنا بعمل صوت متعمد.
الاتنين سكتوا فجأة وغيّروا الموضوع بسرعة غريبة.
في الليلة نفسها، قعدت أراجع كل عقود الفرح.
كل حاجة كانت مدفوعة.
والبوفيه كان مؤكد.
حاولت أقنع نفسي إن توتري بسبب اقتراب الفرح هو اللي مخليني أشك في كل حاجة.
لكن صباح يوم الفرح، وصلت إلى القاعة قبل الساعة السادسة.
كانت أمي بتعيط وهي بتظبط لي الطرحة، وبره العمال كانوا بيرتبوا الترابيزات وتنسيقات الزهور.
كل شيء كان مثاليًا.
إلى أن مررت بجوار المطبخ.
بدل رائحة الطعام الفاخر اللي اتفقت عليه، شممت رائحة زيت ثقيل ومعاد تسخينه.
بصيت جوه، فوجدت صواني مكرونة بالكريمة، وأرز أحمر، وفراخ بانيه وسلطة بسيطة.
وقفت أحد العاملين.
معلش، الأكل ده للعمال؟
الشاب وشه اتغير.
لأ يا آنسة نورهان… ده منيو الحفلة.
حسيت إن الأرض بتتحرك من تحتي.
إيه؟! ده مش الأكل اللي أنا حاجزاه!
بعد دقائق، وصل رامي، صاحب شركة تنظيم الطعام، وهو ماسك ملف.
فتح الملف، دور على اسمي، راجع ورقتين، وبعدها رفع عينه لي.
آنسة نورهان… الباقة بتاعتكم اتغيرت امبارح.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
مين اللي غيرها؟
بلع رامي ريقه وقال
خطيبك.
سكتُّ للحظة.
ثم أخرج ورقة وحطها قدامي.
كانت إيصال تحويل بالمبلغ المسترد.
وبينما كنت بقرأ الاسم، تجمدت ملامحي.
سعاد عبد الرحمن… حماتي المستقبلية.
كانت قد حولت فرق السعر، الذي بلغ 186 ألف جنيه، إلى حسابها الشخصي.
لم أستطع تصديق ما كنت على وشك اكتشافه…
الجزء الثاني في التعليقات.
الجزء الثاني
وقفت للحظات وأنا ماسكة إيصال التحويل، ومش قادرة أستوعب اللي قدامي.
مبلغ 186 ألف جنيه اتحول لحساب سعاد.
بصيت لرامي وسألته
إنت متأكد إن التحويل ده تم بأمر من ياسين؟
هز رأسه بسرعة.
أنا مكنتش أقدر أغير أي حاجة من نفسي. الشخص اللي تواصل معانا كان خطيبك، وقال إن والدته هي اللي هتراجع التفاصيل النهائية.
فتحت الملف بسرعة.
لقيت نسخة من العقد الأصلي، وبجانبه عقد جديد.
القائمة الفاخرة اللي اخترتها اختفت تمامًا، واتبدلت بقائمة أرخص بكثير.
إمتى حصل الكلام ده؟
رد رامي
امبارح بالليل. واتقال لنا إنكم وافقتوا على التعديل.
ضحكت ضحكة قصيرة من شدة الصدمة.
أنا؟ وافقت؟
رامي ما ردش.
في اللحظة دي سمعت صوت كعب حذاء جاي من ناحية المدخل.
لفيت.
كانت سعاد.
لابسة فستانها وكأن مفيش أي حاجة حصلت.
بمجرد ما شافتني، ابتسمت وقالت
صباح الخير يا عروسة! إيه، مش مبسوطة؟
رفعت الإيصال قدامها.
ممكن أعرف إيه ده؟
نظرت للورقة، وبعدها رفعت حاجبها بمنتهى الهدوء.
آه، ده؟ فلوس رجعت من حساب الفرح.
ليه رجعت لحسابك إنتِ؟
تنهدت وكأن سؤالي ساذج.
يا نورهان، أنا بس بحافظ على فلوس ابني.
دي فلوسي أنا.
ابتسامتها اختفت.
بعد الجواز، مفيش حاجة اسمها فلوسي وفلوسك. هتبقوا بيت واحد.
بصيت لها من غير ما أرد.
كانت بتتكلم بثقة غريبة، كأنها شايفة نفسها صاحبة الحق في كل جنيه دفعته.
قلت
ومين سمح لك تغيري منيو الفرح؟
ردت
ياسين.
وياسين فين؟
ابتسمت.
بيتجهز مع الرجالة.
في اللحظة دي رن موبايلي.
كان ياسين.
رديت.
إنت غيرت منيو الفرح؟
سكت ثانيتين.
وبعدين قال
نورهان، متكبريش الموضوع.
اتصدمت من رده.
أنا بسألك سؤال واضح.
أمي قالت إن الأسعار مبالغ فيها، وإن ممكن نعمل نفس الفرح بتكلفة أقل.
وفرق الفلوس؟
سكت.
راح فين يا ياسين؟
قال بنبرة مترددة
أمي هتحتفظ بيه مؤقتًا.
ضحكت من شدة عدم تصديقي.
مؤقتًا؟
أيوه. لحد ما نحتاجه.
يعني فلوسي اتحولت لحساب والدتك من غير إذني، وإنت شايف ده عادي؟
قال
هي أمي يا نورهان، ومش هتسرقنا.
الجملة دي كانت كفاية.
لأول مرة منذ خمس سنين، حسيت إني مش عارفة الشخص اللي هتجوزه.
قفلت المكالمة من غير ما أجادله.
رجعت أبص لسعاد.
قالت وهي بتحاول تظهر إنها بتقدم لي نصيحة
شوفي يا بنتي، أنا بعمل كده لمصلحتكم. الشباب اليومين دول مش بيعرفوا يديروا فلوسهم.
رديت بهدوء
وأنا مش محتاجة حد يدير فلوسي.
اقتربت مني وقالت بصوت منخفض
إنتِ لسه ما بقيتيش من العيلة، فلازم تتعلمي من دلوقتي إن فيه حدود.
بصيت لها.
بالعكس. النهارده أنا عرفت حدودي كويس جدًا.
وسبتها ومشيت.
دخلت غرفة تجهيز العروس وقفلت الباب.
أمي كانت مستنياني.
أول ما شافت وشي، سألت
حصل إيه؟
حطيت الإيصال قدامها.
قرأته، وسكتت.
وبعد لحظات قالت
أبوكي لازم يعرف.
هزيت رأسي.
مش دلوقتي.
ليه؟
بصيت في المراية.
كان فستاني جاهز.
والطرحة فوق رأسي.
لكن لأول مرة، ما كنتش شايفة عروسة.
كنت شايفة واحدة على وشك تتخذ قرار هيغير حياتها.
فتحت حقيبتي، وأخرجت هاتفي.
كنت محتفظة بكل الرسائل، وكل التحويلات، وكل المحادثات المتعلقة بالفرح.
وقتها اكتشفت حاجة أخطر.
كان فيه ملف أرسله لي ياسين قبل شهر، وطلب مني ما أفتحهش إلا بعد الفرح.
فتحته.
وفي داخله وجدت كشف حساب وتفاصيل تحويلات لم أكن أعرف عنها شيئًا.
حدقت في الشاشة، وشعرت ببرودة تسري في جسدي.
لم تكن قصة ال ألف جنيه هي المشكلة الحقيقية.
كان هناك مبلغ أكبر بكثير، واسم شخص آخر يتكرر في التحويلات.
والأغرب…
أن آخر تحويل تم قبل يومين فقط من الفرح.
وضعت الهاتف في حقيبتي، وقلت لأمي
متقلقيش. الفرح هيكمل.
نظرت لي بدهشة.
هتكملي بعد اللي حصل؟
ابتسمت وأنا أمسح دمعة نزلت على خدي.
أيوه… بس مش علشان أتجوز.
أمال علشان إيه؟
رفعت عيني إليها وقلت
علشان كل الناس اللي موجودة النهارده تعرف الحقيقة.
الجزء الثالث
أمي فضلت تبص
لمحة نيوز