نشر زوجي حكايات فاتن سليمان
لأن القبول بأني كنت بمفردي قادرة على اتخاذ قرار التوقف عن حب تلك الحياة كان أمراً جسيماً على كبريائه.
— هذا لم يعد شأنك.
— ليلى!
— علي أن أمضي.
حاول الإمساك بذراعي.
صوت جاء من خلفنا:
— قالت إن عليها أن تمضي.
طارق.
كان قادماً ليأخذني لأننا كنا على موعد للعشاء.
نظر عمر إلى يده المرفوعة بالقرب من ذراعي، ثم نظر إلى طارق:
— من أنت؟
قبل أن يجيب طارق، قلت:
— صديقي.
أطلق عمر ضحكة مريرة:
— بالطبع.. الآن فهمت.
— أنت لا تفهم أي شيء.
نظر إلي:
— هل كنت تخونينني معه حين كنت معي؟
تلك التهمة كانت لتدمرني قبل ستة أشهر.
أما الآن، فلم تسبب لي سوى التعب.
تقدم طارق خطوة، ولكني رفعت يدي:
— لا.. أريد أن أقولها أنا.
ثم التفت لعمر:
— تعرفت عليه بعد أن رحلت. لكن حتى لو لم أتعرف على طارق أبداً، لم أكن لأعود إليك أبداً.
هذا ما كسر شيئاً في وجه عمر في النهاية.
ليس وجود رجل آخر..
بل اكتشافه أنه لم يخسر أمام رجل آخر، بل خسر أمام النسخة الجديدة مني، تلك التي تعلمت كيف تعيش بدونها.
مشيت ولم ألتفت خلفي.
لم يتكلم طارق حتى انعطفنا في الشارع:
— هل أنت بخير؟
— أعتقد أني بخير.
— هل تريدين إلغاء العشاء؟
فكرت في الأمر:
— لا.. أنا جائعة.
ابتسم:
— هذا سبب ممتاز لعدم إلغائه.
مشينا قليلاً، ثم توقفت:
— شكراً لتدخلك.
— بدا وكأنه كان سيمسك بك.
— نعم.
— ولكنك كنت تديرين الأمر بشكل رائع بمفردك.
ابتسمت:
— وشكراً على هذه أيضاً.
أرسل عمر رسالة أخيرة.
لا أعرف كيف حصل على بريدي الإلكتروني الشخصي.
كانت الرسالة كلمات قليلة:
“الآن فهمت إني خسرتك حقاً.
كنت أظن أنك ستعودين دائماً.
كنت أحمق.
أتمنى أن تستطيعي مسامحتي يوماً ما.”
قرأتها وأنا أتناول الإفطار.
ثم أرشفت الرسالة (Archived).
لم أرد.
المسامحة بالنسبة لي لم تكن تعني إعادة فتح الباب له مرة أخرى.
لم تكن تعني الصلح، ولا حتى النسيان.
كانت تعني فقط القدرة على تذكر تلك الليلة في الواحدة والسابعة عشرة دقيقة دون أني يألمني صدري.
وبالتدريج، حققت ذلك.
بعد سنة من وصولي إلى المدينة، كان عقد الشقة على وشك الانتهاء.
اتصل بي المالك:
— هل ستجددين العقد؟
نظرت حولي.
الشقة التي كانت خالية يوماً أصبحت الآن مليئة بالحياة.
صور.. كتب.. نباتات.. سجادة جديدة.