كنت مسافر بقلم محمد عبده

بعد ما بعت تقريبًا اتنين مليون جنيه من برّه، رجعت فجأة عشان مراتي… لكن لقيتها محلوقة، تعبانة، وراكعة قدام أهلي.

—ما تقربش منها يا أحمد… ريحتها مستشفى وبقالها أسابيع مش قادرة تعتني بنفسها كويس.

صوت أختي سارة وقفني في الحوش، وأنا لسه ماسك الشنطة بإيدي. كنت راجع من غير ما أقول لحد بعد أربع سنين شغل في السعودية كفني لحام صناعي. كنت متخيل ألاقي مراتي بتجري عليّا من الفرح… لكن بدل كده، شفت مريم راكعة جنب الحوض الخارجي، بتدعك حلة بإيديها اللي احمرت من كتر الشغل.

كانت لابسة طرحة رمادي، خدودها غايرة، شفايفها مشققة، وفي كدمة واضحة جنب كوعها. لما شافتني… ما ابتسمتش. بالعكس، اتكمشت كأني جاي أهددها.

—إيه اللي حصل لك؟ —سألتها.

أمي، أمينة، خرجت من المطبخ لابسة هدوم جديدة، ضوافرها متظبطة وسلسلة دهب تقيلة في رقبتها.

—مراتك بقت مهملة وبتتدلع —قالت ببرود— من يوم ما سافرت وهي بتتحجج بالمرض. إحنا اللي شايلينها.

على مدار أربع سنين، كنت ببعت ما بين 35 لـ 45 ألف جنيه كل شهر. كنت باشتغل شيفتات مضاعفة، عايش مع خمس رجالة في شقة واحدة، وبوفر في كل حاجة عشان أوفر فلوس. حسب حساباتي، كنت بعت حوالي مليون وتسعمية ألف جنيه. الخطة كانت نبني بيت قريب من الفيوم، ونفتح مشروع صغير لمريم، ونأمّن

مستقبلنا.
البيت كان متبني فعلًا. دورين، مطبخ شيك، صالة جديدة، وبوابة حديد لامعة. برّه واقفة عربية حديثة، وسارة منزلة صورها على السوشيال ميديا. حسيت بفخر… لحد ما شلت الطرحة من على راس مراتي.

ماكانش عندها شعر. فروة راسها مليانة علامات موس. مريم حاولت تغطي نفسها بسرعة.

سارة ضحكت بسخرية:
—ده شكل اللي عايشة على حساب غيرها لما فلوسها تخلص.

كنت عايز أصرخ… لكن سكت وركّزت. أمي لابسة الساعة اللي كنت باعتها عشان تتباع وقت الحاجة. وسارة ماسكة موبايل حديث جدًا. ومريم… لابسة شبشب مقطوع وبلوزة واسعة عليها.

—ليه ما قلتوليش إنها تعبانة؟

—عشان مش تعبانة —ردت أمي— حلقت شعرها عشان تستعطفك.

لكن من تحت كمها، باين سوار مستشفى.

فهمت إن لو واجهتهم دلوقتي، هيخبّوا كل حاجة. البيت باسم سارة، لأن أمي قالتلي زمان إن الإجراءات هتبقى أسهل كده وأنا برّه. وكل الفلوس تحت إيدها. وأنا صدّقتهم… عشان أهلي.

1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *