رمالي شنطه حكايات كراميلا

حصري لصفحة روايات رولا
​شنطة الميكب وقعت على السرير جنب وشي المورم، وكان الدم على شفتي المتشرحة لسه حامي ومجفش.
​”أمي جاية تتغدى معانا النهارده،” سيف قالها وهو ضاغط على سنانه بغل: “حطي ميكب يداري العلامات دي، وتفضلي مبتسمة.”
​كان واقف فوق راسي في أوضة نومنا في شقتنا اللي في التجمع، متأنق وجاهز لشغله. القميص مكوي بالمسطرة، وساعته بتلمع، وتعبيرات وشه كانت هادية ومنظمة لدرجة تخلي الوحشية بتاعة امبارح بليل تحسسني إنه كان مجرد كابوس أو خيال.
​بس الوجع اللي كان بيسمّع في ضلوعي كان حقيقي.
​العلامة الزرقا الغامقة اللي تحت فكي، اللي طابعة شكل صوابعه، كانت حقيقية جداً.
​وكل ده حصل لمجرد إن كلمة “لأ” خرجت من بوقي.
​أمه، “الحاجة نجوى”، كانت قررت إن لازم أنا وسيف نبيع شقتي الملك وننقل نعيش معاها في فيلتها الكبيرة في زايد “عشان نوفر”.
​بس الحقيقة كانت أبعد ما يكون عن الكرم.
​هي كانت عايزة مرتبي يدفع أقساطها ومصاريفها.
​عايزة إيدي هي اللي تطبخ وتكنس وتمسح بيتها.
​وكانت عايزة سكاتي يحمي ابنها اللي شايفاه الملاك اللي مبيغلطش.
​”أنا مش هنقل أعيش في بيت أمك،” ده اللي قلته لسيف امبارح.
​أول حاجة عملها إنه ضربني بالقلم.
​ولما رفضت تاني، زقني بكل قوته لورا، ضهري خبط في التسريحة.
​ولما وقعت على الأرض… كمل عليا بضرب بالرجل.
​والنهاردة الصبح، بعد كل ده، بيشاورلي على شنطة الميكب وكأن مفيش أي حاجة غريبة حصلت!
​”استخدمي الكونسيلر الأخضر،” بيمليني بكل برود: “ده بيدياري الأزرق.”
​في اللحظة دي بالذات… في حاجة جوايا اتغيرت.
​ماتكسرتش.
​هي بس بقت باردة زي التلج.
​سيف بصل لسكوتي وافتكر إن ده معناه إنه كسرني وأخيراً كسب المعركة.
​طول عمره بيغلط نفس الغلطة وبيفهمني غلط.
​قرب مني أكتر لحد ما شميت ريحة القهوة الصباحية في نفسه.
​”الساعة 12 الظهر تحضري الغدا،” قالها وهو بيحمر عينيه: “وهتقولي لأمي إنك اتكعبلتي ووقعتي في الحمام. وبعدها نعدس سوا ونشوف هنعرض الشقة دي للبيع إمتى.”
​رديت عليه بصوت واطي بس ثابت: “الشقة دي ملكي أنا.”
​الابتسامة اختفت من وشه تماماً.
​”مش لهناك… ومش للدرجادي.”
​الساعة 7:42 الصبح بالدقيقة، باب الشقة اتقفل وراه برزع.
​دقيقة واحدة بعد ما نزل…
​مديت إيدي تحت المرتبة وطلعت التليفون التاني اللي سيف عمره ما عرف عنه حاجة.
​كنت اشتريته من تلات شهور، من أول مرة مد إيده عليا وزقني فيها.
​أنا شغلي مراجع حسابات شرعي أول في شركة كبرى، شغلي وطبيعة مهنتي علمتني إزاي أحتفظ بالأدلة، أتبع الفلوس المستخبية، وأكشف أي تزوير أو لعب في الأوراق الناس فاكرة إن محدش هيقفطه.
​الخوف كان معطلني ومكتفني.
​بس خبرتي وشغلي عمرهم ما اختفوا.
​صورت كل علامة وكدمة في جسمي جنب جرنال النهاردة عشان تاريخ اليوم يبصم وما حدش يقدر يشكك فيه.
​نزلت تسجيلات الصوت بتاعة أوضة النوم من كاميرات المراقبة المربوطة بالنت—نفس الكاميرات اللي سيف كان فاكر إنه فصلها وشال فيشتها من أسابيع.
​بعدها فتحت فايل متقفل بباسورد اسمه “فواتير الضرائب”.
​جواه كان فيه تسجيلات لسيف وهو بيهددني صريح.
​تسجيلات لأمه وهي بتضغط عليا عشان أتنازل عن ملكية الشقة.
​كشوفات حسابات بنكية بتثبت إن سيف كان بيسحب قروض بأسامي مزورة وبإمضتي من ورايا.
​ورسائل وتس بينه وبين أمه بيفكروا إزاي يلبسوني قضايا ويطلعوني “مجنونة ومش متزنة نفسياً” لو رفضت أسمع الكلام.
​على مدار شهور، كنت في السكتة وبمنتهى الهدوء باخد نسخة من كل ورقة مزورة يدخلها البيت، كل تحويل مالي مشبوه، وكل مكالمة نص الليل بينه وبين أمه.
​كنت محوشة كل حاجة.
​أنا بس مكنتش عارفة إمتى هتيجي اللحظة اللي أكون فيها قوية كفاية عشان أستخدم كل ده.
​الصباحية دي…
​لقيت إن الخوف والبقاء مرعوبة أصعب بكتير وأخطر عليا من إني آخد خطوة وأمشي.
​طلبت رقم بقالي 5 سنين متصلتش بيه.
​الرد جالي قبل الرنة التالتة ما تخلص.
​”فريدة؟”
​زوري اتخنق وأنا بَسمع صوته.
​”بابا… أنا محتاجاك.”
​الناحية التانية… ساد السكوت للحظات.
​حصري لصفحة روايات رولا
​الساعة كانت 9:18 الصبح لما بابا وصل، ومعه محامية أحوال شخصية شاطرة جداً اسمها أستاذة فيونا، وظابط أمن خاص.
​سيادة المستشار عبد السلام كان قضى 30 سنة من عمره على منصة القضاء وبيدخل أعتى المجرمين السجن.
​هو مكنش حضر فرحي لأن سيف وقتها ضحك عليا وإقنعني إن أبايا راجل متسلط وحابب يتحكم في حياتي.. وأنا صدقت سيف، لأن الأذية والسيطرة دايماً بتبدأ بأن المؤذي يعزلك ويخليك تشك في أكتر ناس بتحبك بجد.
​أول ما بابا شاف الكدمات الزرقا اللي في وشي، رجله وقفت ومقدرش يكمل خطوته.
​مصرخش ومطلعش صوت، بس الهدوء اللي كان في غضبه كان يرعب أكتر من أي زعيق.
​”هو اللي عمل فيكي كده؟” بابا سألني بصوت مبحوح.
​هزيت راسي وقولت بصوت واطي: “أيوة.”
​”مد إيده عليك قبل كده؟” سألني بالراحة.
​هزيت راسي تاني، والدموع اللي كنت حابسها من الصبح نزلت أخيراً على خدي.
​بابا غمض عينه لكام ثانية كانوا ووجعهم تقيل جداً، وبعدها فتحهم وبصلي بإصرار يدوب التلج: “أنا أسف إن كبريائي بعدنا عن بعض الفترة دي كلها.. بس أنا هنا دلوقتي ومش هسيبك.”
​أستاذة فيونا بدأت تصور كل ركن في الشقة قبل ما تقعد تراجع كل الأدلة الرقمية اللي أنا كنت مجهزاهالها. أكدت لي إن القروض السريّة اللي سيف سحبها دي جر\يمة تزوير وانتحال شخصية، وإن توقيعه المزور على عقود التنازل عن الشقة تعتبر جناية كاملة الأركان.
​غير إن رسائل “الحاجة نجوى” كانت دليل قاطع على إنهم متآمرين مع بعض.
​بس الصدمة الحقيقية والأدلة المرعبة كانت في تسجيل كاميرا أوضة السفيرة.
​من تلات ليالي، سيف وأمه كانوا قاعدين على السفيرة بيشربوا عصير وبيتكلموا بمنتهى الروقان.
​أمه كانت بتقول في التسجيل: “أول ما تمضي وتتنازل عن الشقة، ارفع عليها قض\ية طلاق فوراً.. وهنقول للناس كلها إنها جتلها حالة نفسية وأتجننت، والستات المش متزنات دول بيكسبوا اللاشيء وبيخسروا كل حاجة.”
​وسيف ضحك بصوت عالي على كلامها وقال: “هي مش هتقدر تفتح بوقها ولا تدافع عن نفسها، فريدة أول ما بتتخض بتترعب وتتكتف مكانها.”
​وإحنا بنتفرج على الفيديو، وش بابا بقى شبه الحجر من كتر الغضب.
​أستاذة فيونا قالت بصوت واطي: “هو اختار الست الغلط عشان يلعب معاها.”
​هزيت راسي وقولت: “لأ، هو اختار الست اللي قعد سنين يخوفها ويضعفها.. بس نسي أنا مين قبل ما أعرفه.”
​على الساعة 10:30 صباحاً، كنا أخدنا أمر حماية مستعجل وبعتنا كل الأدلة للنيابة العامة. وفيونا رتبت مع محضر قانوني يستنى بره البيت.
​أنا قررت أسيب الشنطة متحضرة فوق على السرير، وسبت شنطة الميكب زي ما هي ملمستهاش.
​الساعة 11:57 الظهر، بابا كان قاعد على الفوتيه المفضل بتاع سيف في الصالة، وفيونا وظابط الأمن مستنيين في أوضة المكتب بهدوء. وأنا كنت قاعد في عربية بابا قدام البيت من الناحية التانية، بمشي العين على الصالة من خلال أبلكيشن كاميرات المراقبة على تليفوني.
​الساعة 12 بالدقيقة، عربية سيف الفخمة وقفت في الجراج.
​الحاجة نجوى نزلت وهي لابسة عقد اللؤلؤ وشايلة إزازه شربات في إيدها.
​بابا همسلي في السماعة: “جايين يحتفلوا بالنصر اللي فاكرين إنهم حققوه.”
​سيف فتح باب الشقة بالمفتاح ودخل.
​أمه ندهت بصوت عالي وبضحكة رنانة: “فين عروسة البيت الجميلة اللي هتغدينا؟”
​وفجأة… شافوا بابا قاعد في الصالة.
​سيف وقفت رجله مرة واحدة لدرجة إن أمه خبطت في ضهره.
​بابا قام وقف بالراحة خالص.
​”أهلاً يا سيف.”
​إزازة الشربات وقعت من إيد أمه وإتكسرت ميت حتة على الأرض.
​وش سيف بقى أبيض زي الطباشير: “سيادة المستشار…”
​رد عليه بابا: “أنا صحيح طلعت معاش، بس لسه فاكر كويس إزاي أتعامل مع الرجالة اللي بتضرب الستات وتزور الإمضاءات.”
​سيف بص ناحية السلم وهو مرعوب: “فين فريدة؟”
​بابا رد بثقة: “في مكان عمرك ما هتقدر تطولها فيه تاني.”
​الحاجة نجوى اتدخلت بسرعة وبنبرة تمثيل: “يا سيادة المستشار دي مجرد مشكلة عائلية بسيطة وغمامة وهتعدي!”
​بابا بص لشنطة الميكب المرمية على السلم ورجع بص لها: “لأ.. دي أدلة جنائية.”
​سيف حاول يجري ناحية باب المطبخ أو الباب الخلفي عشان يهرب.
​بس ظابط الأمن وقف في وشه وقفل عليه السكة، وفيونا خرجت من المكتب وهي ماسكة مظروف أصفر كبير.
​”حضرتك أعلنت رسمياً بأمر النيابة،” فيونا قالتها بابتسامة.
​سيف مسك الورق بسرعة يقرأه، كان فيه أمر عدم تعرض، وعريضة طلاق، وتحفظ على الأصول والتحويلات المالية.
​سيف صرخ بغضب: “ده كلام فارغ! فريدة حيلتها إيه ومن غيري متسواش حاجة!”
​فيونا ابتسمت ببرود: “الشقة دي ملك فريدة من قبل ما تتجوزك، وعقد التنازل المزور بتاعك ملوش أي قيمة قانونية.”
​الحاجة نجوى شاورت بصابعها وهي بترتعش ناحية بابا: “انت اللي مالي دماغها وجاي تقومها علينا!”
​رد عليها بابا بمنتهى الهدوء: “ابنك هو اللي كسر ضلوعها.”
​ولأول مرة، الخوف الحقيقي بان في عين سيف.
​”دي كانت مجرد حادثة وهي اتكعبلت!” سيف كدب بسرعة.
​في اللحظة دي، أنا فتحت باب الشقة ودخلت.
​الكل لف وبصلي. كنت لابسة بدلة كحلي أنيقة، ومش حاطة أي نقطة ميكب على وشي، فكانت الكدمات الزرقا والسودا باينة جداً وواضحة تحت نور الصالة.
​سيف بصلي بصدمة وترجي: “فريدة! قولي الحقيقة للناس دي!”
​”أقولهم إيه؟” سألت ببرود.
​”قوليلهم إنك اتكعبلتي ووقعتي!” سيف قالها بلهفة.
​طلعت تليفوني التاني وفتحت السبيكر، وصوت سيف الرخيم طلع منه وهو بيزعق من تسجيل الصبح: “حطي ميكب يداري العلامات دي وتفضلي مبتسمة!”
​وبعدها شغلت تسجيل السفيرة بتاعه هو وأمه: “أول ما تمضي وتتنازل عن الشقة، ارفع عليها قض\ية طلاق فوراً…”
​سيف اندفع عشان يخطف التليفون من إيدي، بس ظابط الأمن مسكه وزقه في الحيطة وكتفه. وفي نفس اللحظة، الباب خبط بقوة.
​دخل اتنين ضباط مباحث ومعاهم أمر ضبط وإحضار.
​كل الكبرياء والتنطيط بتاع سيف اتهد في ثانية.
​”فريدة أرجوكي اسمعيني! أمي هي اللي زقتني وشجعتني أعمل كده!” سيف بدأ يعيط ويترجا.
​أمه صرخت فيه: “يا خايب! بقى بتلبسني أنا التهمة وتتهمني؟!”
​وبدأوا يزعقوا ويشتموا في بعض ويكشفوا بلاوي بعض قدام المباحث، وده إدا للنيابة أدلة إضافية على التآمر.
​وقفت جنب بابا وأنا بتفرج على الجوازة اللي كنت خايفة أنهيها وهي بتهد نفسها بنفسها في دقائق.
​سيف اتوجهت له تهم ضرب وإحداث عاهة، وانتحال شخصية، وتزوير ورق رسمي. والحاجة نجوى اتوجهت لها تهمة الاشتراك في التزوير والتآمر.
​القض\ية والمحاكم استمروا 7 شهور.
​سيف أخد حكم بـ 3 سنين سجن مشدد بعد ما اعترف بالجر\يمة. والحاجة نجوى أخدت حكم مع وقف التنفيذ مع غرامة وتعويض مالي كبير اضطرت بسببه تبيع فيلتها في زايد عشان تدفع المصاريف القضائية والتعويض.
​أنا احتفظت بشقتي.
​والأهم من ده كله، احتفظت بشخصيتي وشغلي ونجاحي.
​بعد سنة…
​نور الشمس كان مالي المطبخ بعد ما جددته بالكامل. بابا كان قاعد على الترابيزة وبيبتسم وأنا بديله كوباية القهوة بتاعته.
​جنب باب الشقة، كنت معلقة نسخة من برينت “أمر عدم التعرض” في برواز أنيق.
​مكنتش معلقاه من الخوف، بس عشان يفكرني دايماً باليوم اللي قررت فيه إني مش هخاف تاني.
​تليفوني رن بإشعار إن طلب العفو أو الإفراج الشرطي بتاع سيف اترفض.
​مسحت الإشعار من غير ما أوجع دماغي وأقرا التفاصيل.
​بابا رفع المج بتاعه: “في صحة البدايات الجديدة.”
​خبطت مجي في مجّه وابتسمت:
​”وفضل الشنطة مقفولة والميكب زي ما هو.”
​بره في البلكونة، الورد كان مالي المكان. ولأول مرة من سنين، حسيت إن البيت ده أمان.. وإنه ملكي أنا وبس.
​النهاية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *